المقالات

في وداع فيلسوف ماليزيا سيد محمد نقيب العطاس: مؤسس النموذج المعرفي لنهضة ماليزيا المعاصرة(4)

 عاد إذن العطاس إلى ماليزيا بعد تجربتين أكاديميتين تمرس فيهما في كندا وبريطانيا على البحث في العلوم الدينية واللغة والفلسفة والتصوف. وكانت الرسالتان متجادلتين ومشتبكتين حول السلطة العلمية (الإسلامية) في جنوب شرق أسيا، في الأرخبيل الملايو-الأندونيسي تحديدا؛ هل هي للفقه والكلام والمذهب، أم للتصوف والعرفان والآداب؟ ومثل النموذجان، كما ذكرنا الفقيه نورالدين الرنيري والمتصوف والأديب العرفاني حمزة فنصوري. ويبدو من خلال أطروحة الدكتوراه أن نقيب العطاس كان متحمسا لحمزة فنصوري ولمشروعه الفكري في التصوف والآداب. لذلك  خص الجزء الأول من الأطروحة كاملا  لتصوف حمزة فنصوري، وخص الجزء الثاني لأعماله النثرية الباقية: (أسرار العارفين) و(شراب العاشقين) و(المنتهى)؛ فقدمها في متن الأطروحة محققة باللغة الملايوية، ومكتوبة بالحرف اللاتيني، ومترجمة إلى الإنجليزية، مع شروح وتعليقات وافية، تبرز ثقافته الموسوعية في الآداب الملايوية. كما خص سيرة فنصوري بمساحة  مهمة في الأطروحة، واشتبك مع الفقيه نورالدين الرنيري الذي اتهم حمزة فنصوري بالهرطقة، واعتبر العطاس انتقادات الرنيري لا تقوم على أساس.

 وتولى العطاس في الأطروحة شرح الجهاز المفاهيمي الذي يوظفه حمزة فنصوري في نصوصه الشعرية والنثرية وفي كتاباته الفلسفية والفكرية؛ مثل: الوجود، والكون، والنفس… وربطها، في بحث تحليلي مقارن، بقاموس ابن عربي وعبد القادر الجيلاني، وبنظرتهما وممارستهما في الفلسفة والتصوف والعرفان واللغة والأدب.  وتوغل البحث التحليلي المقارن بنقيب العطاس إلى بحث مقارن من منظور دلالي للقبض على معاني ميتافيزيقا النظام الصوفي لحمزة فنصوري، والذي يقوم على مفاهيم: الإرادة الإلهية، والوجود، والكينونة، والروح، والنفس، والذات، والفناء، والمعرفة الروحية، والاختيار، والحرية، وعالم الأشياء المخلوقة، والجوهر الثابت… وكلها مفاهيم مكتوبة باللغة الملايوية. وبحث العطاس عن معادلاتها الاصطلاحية في العربية واليونانية والفارسية والسنسكريتية، مع دراسة البنيات المفهومية للكلمات، ومشتقاتها، والتمييزات الممكنة بينها. وقد ذيل العطاس أطروحته بفهرس المصطلحات الدلالية في تصوف فنصوري.  وقد استند العطاس في بحثه الدلالي المقارن على تراث الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة والأبحاث الدلالية التي كانت سائدة في الأكاديميا اللسانية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين؛ وهي مراجع في الدلاليات Semantics، وفي الدلاليات العامةGeneral Semantics، وفي فلسفة الرمزية Philosophy of Symbolism، وقد أحال عليها العطاس بشكل أمين. وكلها أطر نظرية فلسفية ولسانية استثمرها العطاس في دراسة المعنى في لغة حمزة فنصوري، وتبين بها كيف حمل أفكاره ومفاهيمه ومعانيه على الألفاظ والكلمات والجمل. كما ساعدته الدلاليات العامة على اجتراح مستويات عميقة من التحليل عند دراسة العلاقة بين لغة فنصوري وفكره وواقعه الذي عاش فيه. كما استعمل هذا الإطار النظري لرصد سوء الفهم الذي يحدث عادة في تلقي اللغة الصوفية، وهو ما حصل بالضبط لنورالدين الرنيري عند نقده لحمزة فنصوري واتهامه ب(الزندقة) و(الهرطقة). وعليه، رصد العطاس من خلال جهازه النظري والمنهجي المستند إلى نموذج الدلاليات العامة عناصر الافتراض المفرط في اللغة النقدية للرنيري وفي تلقيه للغة فنصوري؛ إذ كان يحمل معانيه أكثر مما تحتمل. كما رصد عناصر التحيز في لغة الرنيري، ودورها في تشكيل وعيه وعواطفه، وفي المقابل أعاد  العطاس بمنهجه العلمي (الدلالي) تعريف مصطلحات حمزة فنصوري وربطها بسياقها الفكري والواقعي وبالبيئة التي نشأت فيها فنصوري، هذه البيئة التي خصها العطاس بدراسة وافية. وساعدت فلسفة الرمزية العطاس في دراسة المصطلحات ذات الحمولة الرمزية في نصوص حمزة فنصوري؛ باعتبار أن الرموز التي استعملها فنصوري تحمل معنى كما تحمل تجربته الروحية، وتؤطر منظوره الصوفي والعرفاني. وقدم العطاس تحليلا لغويا ودلاليا للرموز في نصوص فنصوري، مصطلحات وتعابير.  وينبغي الإشارة إلى أن العطاس قد تأثر في تحليله الدلالي المقارن، إضافة إلى الأطر النظرية للفلسفة التحليلية واللسانيات الدلالية الأنجلوساكسونية، بأعمال عالم اللغويات والفيلسوف الياباني توشوهيكو إزوتسو Toshihiko Izutsu(1914-1993)، خصوصا ما يتعلق منها بدلالات ألفاظ القرآن الكريم والفكر الإسلامي. وقد أورد العطاس في أطروحته كتابي Izutsu: (بنية المفاهيم الأخلاقية في القرآن الكريم) The Structure of The Ethical Terms in the Qur’an(1959)، وكتاب: ( الله والإنسان في القرآن)،  God and Man in the Quran(1964). كما استثمر في تحليله الدلالي كتاب (تهافت التهاتف، لابن رشد) مترجما إلى الإنجليزية (طبعة 1954).

واستنتج العطاس من أطروحته أن حمزة فنصوري، بلغته وأدبه وفلسفته، هو النموذج المرجعي الأمثل للفكر الإسلامي في جنوب شرق آسيا.  ويرجع له فضل السبق في كتابة التعاليم الصوفية باللغة الملايوية. كما اجترح باللغة الملايوية اختيارات تأملية ومنهجية وأساليب تعليمية غير مسبوقة. وتعد هذه الاختيارات القائمة على التصوف والأدب والفلسفة القاعدة الأساس ل(إسلامية المعرفة) في الأرخبيل الملايو-الأندونيسي. ويعتبر فيه حمزة فنصوري رائدا غير مدافع، ولكنه مغمور وغير مكتشف.

لقد اشتق إذن العطاس المادة الرمادية للنموذج المعرفي ل( إسلامية المعرفة) من تراث حمزة فنصوري، وليس من تراث نورالدين الرنيري. وتتجلى العناصر المعرفية والمنهجية لهذا النموذج المعرفي في الأعمال النثرية لفنصوري  المكتوبة في أصلها باللغة الملايوية، والتي حققها نقيب العطاس في الأطروحة، وكتبها بالحرف اللاتيني، وترجمها إلى الإنجليزية، مما يبرز أهميتها عنده، وكذا تفاعله البحثي الأكاديمي والمنهجي والوجداني مع نصوصها ومضامينها ومفاهيمها وأفقها. وعندما نلقي نظرة موجزة على مفاهيم هذه النصوص النثرية وعلى مفاهيهما، سندرك عن أي نموذج معرفي نتحدث، وندندن منذ الفقرات الأولى لهذه الدراسة.

ففي نص (شراب اليقين) يصوغه  فنصوري بلغة رمزية وأسلوب عاطفي وجداني. يربط فيه بين الحب الإلهي والتحرر النفسي والحرية الداخلية للإنسان (المتصوف) القائمة على الاختيار. وأما في نص (أسرار العارفين)، فيعالج أسرار المعرفة الروحية والمعرفة الإلهية التي يكتسبها العارف. كما يقدم حمزة فنصوري  مبادئ التصوف العملي والنظري، من منظور وحدة الوجود باعتباره الطريق اللاحب إلى المعرفة الحقيقية. ويركز هذا المنظور عند فنصور ي على العلاقة بين العبد وربه، وعلى تفعيل الحب الإلهي والخضوع للإرادة الإلهية. ويشرح حمزة فنصوري في نص (المنتهى)  الغاية النهائية للإنسان، ومعنى الكمال الروحي، والمعرفة الإلهية. ويعالج هذا الموضوع من خلال ما يسميه العطاس بفلسفة الخلق المستمر والوجود، ومن خلال مفاهيم تفسيرية ذات جذور عرفانية؛ مثل: الجوهر الثابت، والروح، والنفس، والصفات الإلهية… ويبرز في نص (المنتهى) الترابط الوثيق في تفكير حمزة فنصوري وفي تعبيره بين الطابع الفلسفي الإسلامي والممارسة الصوفية.

لقد ولد إذن سيد نقيب العطاس مفهوم (إسلامية المعرفة) من خلال قراءته في تراث التصوف والأدب والعرفان في الأرخبيل الملايو-الأندونيسي، ومن خلال تجربتين متشابكتين؛ تجربة الفقيه نورالدين الرنيري وتجربة حمزة فنصوري، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. وانطلق العطاس من هذا الجدل ليحكم تركيب مجموعة من المقولات المعرفية والمنهجية مرتبطة بتاريخ الإسلام في الأرخبيل، وبمصادره، وبأسئلته، وبعلومه، ومرتبطة بتاريخ الأفكار، والمذاهب، والمدارس، والملل ونحل. وقد طور العطاس اجتهادا نظريا تأويليا من داخل مباحث الميتافيزيقا والمعرفة والفلسفة والمنهج. وبقدر تعمقه في بناء الجذر المعرفي لأسلمة المعرفة بقدر ابتعاده عن مفهومها ملتبسا  بمفاهيم رخوة تحتمل المعنى ونقيضه في النسخة العربية لإسلامية المعرفة؛ مثل: التأصيل، وإصلاح مناهج الفكر، وأزمة العقل المسلم، وأزمة الفكر الإسلامي… في صياغات تتراوح بين التوفيق والتلفيق والانتقاء. وقد باعد هذا الالتباس بين مفهوم إسلامية المعرفة كما أسسه سيد نقيب العطاس وبين مفهومها الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فأصبحنا بإزاء منظورين، يختلفان في الجذر المعرفي، وفي المنهج، وإن كانا يتفقان في المقاصد والأهداف. وعليه فما أحوجنا في العالم العربي إلى الوقوف على المنظور الاجتهادي الذي أنجزه سيد محمد نقيب العطاس في إبداع مفهوم إسلامية المعرفة مشتقا من البيئة التداولية للأرخبيل الماليزي-الأندونيسي، ومن تجربة الإسلام وكسب المسلمين في هذه المناطق المهمة من العالم اليوم، ومن خلال انفتاحه على التراث الصوفي الإسلامي وعلى أدوات الأكاديميا الغربية الحديثة في دراسة تراث الإسلام وعلومه.

محمد همام

أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير. له أكثر من عشرة كتب في اللغة والفكر واللسانيات القانونية. مشارك في مؤتمرات علمية داخل المغرب وخارجه. له عشرات الدراسات والأوراق العلمية في مجلات مغربية ودولية. منسق ماستر الصياغة القانونية وتقنيات التشريع بالمغرب، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ٱيت ملول. عضو مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير. تتركز اهتماماته البحثية حول نظرية تكامل العلوم، والأبحاث البينية، والمقاربات عبر المنهاجية، والدراسات الثقافية والنقدية، ودراسات مابعد الاستعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى