في وداع فيلسوف ماليزيا سيد محمد نقيب العطاس: مؤسس النموذج المعرفي لنهضة ماليزيا المعاصرة(3)

استعاد نقيب العطاس في بريطانيا مدارساته الأولية لمدونة التصوف في مكتبة الأكاديمية العسكرية في Sandhurst. والتحق بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن SOAS University of London، وهو معهد لا يقل أهمية عن معهد الدراسات الإسلامية في McGILL University في كندا، من الاهتمام باللغات الشرقية، والحضارات الشرقية والأسيوية والدراسات الإسلامية. وقد درس فيه مستشرقون كبار؛ أمثال: المستشرق البريطاني Arthur Jhon Arbery(1905-1969). خريج جامعة Cambridge في التصوف الإسلامي والأدبين العربي والفارسي والنصوص الإسلامية. من مؤلفاته المشهورة: The Koran Interpreted، وهو ترجمة للقرآن الكريم إلى الإنجليزية، و: Sufism : An Account if the Mystics of Islam، وهو كتاب في التصوف الإسلامي، و: Mystical Poems of Rumi، وهو ترجمة لأشعار الصوفي الأفغاني جلال الدين الرومي(1207-1273م). وكان المستشرق جون أربيري أبرز من تأثر بهم نقيب العطاس، كما تأثر بطريقته في دراسة التصوف والأدب في الحضارات الشرقية. كما درس بالمعهد بلندن المستشرق البريطاني-الأمريكي Bernard Lewis(1916-2018) المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ العثماني، والمستشرق المؤرخ البريطاني Hamilton Alexander Rosskeen Gibb (1895-1971) صاحب الكتب المشهورة: Mohammedanism، و: Islamic Society and the West، و: Studies on the Civilization of Islam. وقد شكل مع جيب ووات وأربري المدرسة الاستشراقية البريطانية الكبرى في الدراسات الإسلامية. كما درس في المعهد المستشرق البريطاني Martin Lings(1909-2005) المتخصص في السيرة النبوية وفي التصوف الإسلامي. أسلم في الأربعينيات من القرن العشرين، وتأثر بالتصوف المولوي، واشتهر بكتابه عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بعنوان: Muhammed : His Life Based on the earliest Source. وهو من المراجع الأساسية عن السيرة النبوية في الأكاديميا الغربية. وجمع في أبحاثه بين المعرفة الأكاديمية العالية والإيمان الروحي الرقيق. هؤلاء جميعا، وغيرهم كثير، هم جزء من الكادر الأكاديمي الذي تتلمذ عليهم سيد نقيب العطاس، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية لتحضير الدكتوراه. حرصت على ذكرهم وعلى ذكر تخصصاتهم ومؤلفاتهم للمساعدة على رسم الخريطة الذهنية الأكاديمية، المعرفية والمنهجية، للأستاذ سيد نقيب العطاس، ولسيرته العلمية والتكوينية، كما سيظهر من خلال عرض محاور أطروحته للدكتوراه، بما سيساعدنا لاحقا على فهم رؤيته ومشروعه في إسلامية المعرفية.
كما تخرج من المعهد باحثون مسلمون كبار؛ أمثال: عبد الله يوسف علي العالم المسلم الهندي (1872-1953) المشهور بترجمته القرآن الكريم، الترجمة الأكثر انتشارا في العالم الناطق بالإنجليزية، مع شروح وتفاسير؛ بعنوان: The Holy Qur’an : Text, Translation and Commentary، يجمع بين البحث الأكاديمي الدقيق في القرآن الكريم وبين الثقافة الموسوعية في الشرح والتفسير. كما تخرج منه المؤرخ اللبناني-البريطاني Albert Hourani(1915-1993) المتخصص في تاريخ العرب الحديث. اشتهر كتاباه: (تاريخ الشعوب العربية) ترجمة كمال خولي(2002)، و(الفكر العربي في عصر النهضة1798-1939) ترجمة كريم عزقول (1997).
التحق سيد نقيب العطاس بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية في الموسم1956-1957. وانتمى إلى قسم التصوف الإسلامي والآداب الشرقية. وكانت هذه المحطة الأكاديمية أساسية عند العطاس؛ إذ عمق فيها تكوينه في الميتافيزيقا الإسلامية، وتحديدا في التصوف. كما اهتم بتصوف عالم الملايوي. وجمع بين التكوين في التراث الإسلامي الكلاسيكي وتراث الملايو. وكان هذا الجمع أرضية لبداية بناء أطروحته حول (إسلامية المعرفة). لذا اجتمع في تكوين العطاس تصوف ابن عربي(561-638ه) كما ورد في (الفتوحات المكية) و(فصوص الحكم)، وما فيهما من المفاهيم الصوفية التأسيسية والحكمة الإلهية، وتصوف الغزالي(450-505ه) في (إحياء علوم الدين)، وما حويه من مناهج التصوف وأخلاقه، وتصوف ابن قيم الجوزية(691-751ه) في مقاطع من (زاد المعاد)، وما تتضمنه من نسك روحية وخلقية. كما تعمق في المخطوطات الصوفية العربية التي يوفرها المعهد. وانفتح على دراسة الطرق الصوفية؛ مثل الشاذلية والرفاعية. واعتكف على التأمل العلمي الدقيق في نصوصها؛ من حيث معانيها اللغوية وإحالاتها الفلسفية. وكان مسكونا بهاجس البحث في العلاقات بين التصوف الكلاسيكي العربي في الأندلس وفي الشرق العربي وبين الممارسات الصوفية في جنوب شرق آسيا، في الملايو تحديدا.
لقد بحث العطاس في رسالة الماجستير في جامعة McGill كما ذكرنا التصوف في الملايو من خلال تراث نورالدين الرنيري باعتباره حلقة وصل بين التصوف الكلاسيكي العربي وتصوف الملايو، لكن بخلفية فقهية وكلامية. كما أن الرنيري انتقد مسلكيات المتصوفة في الملايو وركز على أتباع حمزة فنصوري Hamzah Fansuri، أبرز المتصوفة والشعراء عند الملايو، مما اعتبره انحرافات عن التعاليم الإسلامية الأصيلة؛ سواء في تقديس الأولياء والصالحين، أو في القول بعقيدة الاتحاد والحلول، أو في عدم مراعاة الفقه والشريعة. وكان الرنيري يستدل على مايعتبره انحرافات المتصوفة بالعقيدة والفقه والمذهب. وانطلق العطاس من تراث الرنيري في التصوف ونقده لبناء إطار منهجي للحفر في النموذج المعرفي للتصوف في الملايو. خصوصا وأن الرنيري انتقد Hamzah Fansuri في مفهوم (وحدة الوجود)، الذي تجاوز في فهمه ، بنظر الرنيري، على وحدانية الله، كما انتقد الرنيري الرمزية الصوفية التي لمسها في ميراث حمزة فنصوري، نصوصا وقصائد. وقد ضمن الرنيري انتقاداته لحمزة فنصوري في كتابه ( برهان الصديق في الرد على الزنديق). ويختصر هذا الكتاب الجدل الصوفي الكبير في القرن السابع عشر الميلادي بين مدرسة الرنيريي ومدرسة فنصوري؛ وكان عناصر هذا الجدل هي: وحدة الوجود، ومفهوم الحلول والاتحاد، والعلاقة بين الشريعة والتصوف.
انقسم الجدل بين المدرستين عند نقيب العطاس إلى بحث أكاديمي متعمق أنجزه من خلال رسالتين جامعيتين؛ واحدة بدرجة الماجستير حول أفكار نورالدين الرنيري في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة McGill سنة 1962، والثانية بدرجة الدكتوراه حول أفكار حمزة فنصوري في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS بلندن سنة1965.
أنجز العطاس أطروحته للدكتوراه حول التراث الصوفي لحمزة فنصوري (955-1014ه)/ (1548-1606م)، غريم نورالدين الرنيري، موضوع بحث الماجستير في كندا. وقد أشرف على أطروحة العطاس المستشرق البريطاني A.J. Arberry. صدرت الأطروحة في كتاب بعنوان: The Mysticism of Hamzah Fansuri. تعتبر اليوم من الدراسات الرائدة والمبكرة في دراسة التصوف في جنوب شرق آسيا من منظور منهجي للأكاديميا الغربية الحديثة. صدر الكتاب ضمن منشورات جامعة الملايا بكولالمبور University of Malaya Press بالإنجليزية سنة 1970. وضمن العطاس أطروحته/ الكتاب تحليلا ضافيا لنصوص حمزة فنصوري وأشعاره؛ تحليل يغلب عليه الطابع الفلسفي. كما ضمن الأطروحة الجدل الذي نشب بين نورالدين الرنيري وحمزة فنصوري، مما يجعل الأطروحة أقرب إلى تكثيف الجدل الصوفي في الملايو وتركيب نتائجه، ومن ثم تقديم تأريخ للجدل الفكري الذي عرفته وتعرفه مناطق جنوب شرق أساسية ذات الانتماء الإسلامي، جدل على أرضية الدين وبأدوات ومنظور صوفي، خلافا لما كان فيه الأمر في الجدل الديني في البيئة العربية التي هيمن فيها الفقه والكلام. وأعتقد أن الفصل الخامس من أطروحة العطاس بعنوان: (الجدل الصوفي في آتشيه) هو الفصل التركيبي المكثف في الأطروحة، وفيه تحليل الخلاف بين الرنيري وفنصوري. أما الفصول الستة المتبقية فهي عرض متعمق تعريفي بميراث فنصوري؛ وهي: الحياة والبيئة التاريخية لحمزة فنصوري، ومصادر فكره، واللغة الرمزية في شعره، ونظرية الوجود في فكره، ومفهوم الطريق الصوفي عنده، ومكانته في تاريخ الفكر الإسلامي في الملايو.
تتجلى القوة التحليلية والنقدية للعطاس في تحويله أطروحة الدكتوراه إلى مساحة للجدل والحوار والنقد مع رسالة الماجستير، من خلال الاشتباك الذي عمقه بين الرنيري، موضوع رسالة الماجستير، وحمزة فنصوري، موضوع أطروحة الدكتوراه. ولم يكن محايدا في عرض هذا الجدل الصوفي بمنطقة (أتشيه) بجنوب شرق آسيا، بل اشتبك مع الرنيري نفسه واعتبر نقده لحمزة فنصوري ناتجا عن سوء فهم بعض الرموز الصوفية، كما دفع عنه تهم الحلول والاتحاد التي هاجمه بها الرنيري، وربط العطاس حمزة فنصوري بوحدة الوجود في إطار المشترك العام في الفكر الإسلامي ، وفي تاريخ التصوف الإسلامي العالمي. ودافع العطاس، بعلم وبتحليل وبحماس أيضا، عن حمزة فنصوري، واعتبره حلقة مهمة في تطور الفكر الإسلامي خارج البرادايم العربي؛ إذ يرجع له الفضل والسبق في نقل اللغة الملايوية إلى مستوى اللغة الفلسفية، وفي إدخال المصطلحات الصوفية والفلسفية إلى الثقافة والأدب الملاويين. ثم إن العطاس، وهو يعترض على انتقادات الرنيري، كأني به يكشف البراديم الذي صدر عنه الرنيري في نقد فنصوري، وهو الباراديم الفقهي الكلامي الذي لم يكن على وفاق في البيئة العربية مع البرادايم الصوفي، وكان على صراع حاد مع الباراديم الصوفي الرمزي الذي أسس له ابن عربي، وكان فنصوري من المتأثرين به، في محاوره ومصطلحاته وتجربته. لذلك اعتبر العطاس فنصوري همزة وصل بين التصوف العربي الفلسفي والتفكير الملايوي، في الوقت الذي كان فيه الرنيري صلة وصل فقهية وكلامية مع ثقافة الملايوي.
لم يكن نقيب العطاس ينجز أبحاثا جامعية أكاديمية تقليدية، سواء في جامعة McGill بكندا أو في SOAS في لندن، بل كان يؤسس لقراءة جديدة للتراث الفكري الإسلامي المبكر في جنوب شرق آسيا في الملايو. كما كان ينجز فعلا علميا تصحيحيا تاريخيا للمنجز الفكري الصوفي في منطقة الملايو. فهو يقر بأصالته، من خلال تجربة حمزة فنصوري، كما يقر بعلاقاته الوطيدة بالتراث الصوفي الإسلامي في الشرق العربي وفي الأندلس وشمال إفريقيا، من خلال تجربة الرنيري، لكنها علاقات لا تلغي نشأة التصوف الملايوي في بيئته الخاصة التي يتفاعل فيها الإنسان مع مجاله وبيئته ومحيطه الأسيوي. فالفكر الصوفي في هذه المنطقة يحمل كل معاني الأصالة الفكرية للحضارة الإسلامية الملايوية. ولا ينفصل هذا الاستنتاج عند العطاس عن رغبته الملحاحة في إحياء الهوية الفكرية الإسلامية في جنوب شرق آسيا. هذا الإحياء لا يجعل هذه الهوية مجرد نقل سلبي للمقولات الفقهية والكلامية من العالم العربي، بل هي تعبير عن صوت فكري وفلسفي أصيل ومتجذر في التربة الملايوية، ساهم بدوره في بناء الجذر المعرفي للحضارة الإسلامية.
تعرضت أطروحة العطاس عن فنصوري للنقد من باحثين غربيين ومن باحثين عرب ومن باحثين من الملايو؛ فبعض الباحثين الغربيين انتقدوا الربط الوثيق الذي عقده العطاس بين فنصوري وابن عربي، واعتبروا أن استدلالاته فيها فجوات كثيرة، وتعوزه الأدلة خصوصا في التفسير الرمزي لأشعار فنصوري وللشعر الصوفي الملايوي بعامة مع ربطه بالتصوف الفلسفي العربي. وأما بعض الباحثين العرب، وهم قليل جدا، فيأخذون على العطاس تقليله من نقد الرنيري لفنصوري مع إضفاء الطابع الفلسفي الصوفي العربي على أشعار فنصوري برغم أنها لا تحتمل ذلك. وأما بعض الباحثين في ماليزيا وأندونيسيا فيرون أن العطاس أعطى لفنصوري ما هو أكبر من حجمه من حيث أثره الفلسفي في محيط الملايو، كما أخفى العطاس، بنظرهم، بعض الجوانب المحلية والفقهية في الجدل بين الرنيري وفنصوري.
غادر العطاس لندن بدرجة الدكتوراه سنة 1965، وعاد إلى ماليزيا حاملا إنجازا أكاديميا من قسمين، وخلفية منهجية مشبعة بأدوات بحث الأكاديميا الغربية في الدراسات الإسلامية. وولج تجربة أكاديمية جديدة في بلده، ابتدأت بالانتماء إلى جامعة ماليزيا، وتدريس التصوف، والفلسفة الإسلامية، والفكر الماليزي، وعينه وعقله على دمج التراث الملايوي في السياق العالمي للفكر الإسلامي، ثم الاستعداد لتنزيل مشروعه الفكر على الأرض الأكاديمية انطلاقا من الجامعة.



