صدور كتاب:” السردية الرقمية وصياغة خطاب السلطة” للأستاذ الدكتور إسماعيل نوري الربيعي.

يأتي كتاب “السردية الرقمية وصياغة خطاب السلطة” للأستاذ الدكتور إسماعيل نوري الربيعي بوصفه عملا فكريا مركبا ينهض على تقاطع حقول معرفية متعددة، تمتد من فلسفة العلم إلى السيميولوجيا، ومن علم الاجتماع المعرفي إلى دراسات الإعلام الرقمي، ومن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تحولات التعليم في العصر الشبكي. يقع الكتاب في 550 صفحة، وصدر عن دار كنوز المعرفة للطباعة والنشر في عمّان، وهو من الأعمال التي لا تكتفي بوصف الظاهرة الرقمية بوصفها تطورا تقنيا، بل تنفذ إلى طبقاتها العميقة باعتبارها نظاما لإنتاج المعنى، وإعادة تشكيل الوعي، وصياغة أنماط جديدة من السلطة الرمزية والمعرفية. منذ المقدمة المعنونة “السردية الرقمية وصياغة خطاب السلطة”، يضع المؤلف القارئ أمام فرضية مركزية مفادها أن الرقمنة لم تعد مجرد وسيط لنقل المعرفة، بل غدت بنية حاكمة تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين المعرفة ومؤسسات القوة. فالسردية الرقمية، بحسب هذا المنظور، لا تُنتج خطابا وصفيا فحسب، بل تصوغ تمثلات السلطة، وتعيد توزيع مراكز التأثير بين الدولة، والسوق، والمنصات، والجمهور. وهنا تتجلى قوة الكتاب في انتقاله من الوصف الإعلامي السطحي إلى تحليل الأثر الأنطولوجي للرقمنة في بنية الوعي الاجتماعي.
في الفصل الأول: فهم طبيعة التكامل المعرفي، يشتغل المؤلف على فكرة جوهرية تتمثل في أن المعرفة المعاصرة لم تعد قابلة للفهم من داخل التخصصات المغلقة. ومن هنا يفتح الباب أمام رؤية تكاملية تجعل من الفلسفة، والفيزياء، والسيميولوجيا، والأنثروبولوجيا، وعلوم الاتصال، أجزاء من نسيج واحد. ويظهر هذا بوضوح في المبحث الأول “العلم بوصفه وسيطا حضاريا: العلم العربي الإسلامي نموذجا”، حيث يستعيد المؤلف الدور الحضاري للعلم العربي الإسلامي لا بوصفه ماضيا تراثيا جامدا، بل باعتباره نموذجا تاريخيا على قدرة العلم في بناء الجسور بين الثقافات وصياغة أنظمة رمزية كونية. أما مبحث “فيزياء الكم: حين يتفاعل الإنسان مع وعيه”، فهو من أكثر مباحث الكتاب عمقا وإثارة، إذ ينتقل من الفيزياء بوصفها علما للطبيعة إلى الفيزياء بوصفها مجازا معرفيا لفهم التداخل بين الراصد والمرصود، بين الذات والموضوع، وبين الوعي والاحتمال. هنا ينجح المؤلف في تقديم قراءة فلسفية لفيزياء الكم تجعلها أداة للتفكير في الوعي الرقمي المتشظي، حيث لا يعود الإنسان مجرد متلق للمعرفة، بل مشاركا في تشكيلها. ويتعزز هذا المنحى في مبحث “العلم بوصفه ممارسة تقوم على المرونة”، حيث يناقش المؤلف كيف أن العلم الحديث لا يقوم على اليقين الصلب، بل على القابلية للمراجعة والتعديل والتجاوز. هذه المرونة تصبح مدخلا لفهم البيئات الرقمية نفسها، بما هي فضاءات سريعة التحول، لا تستقر على نموذج معرفي واحد. وفي مبحث “الإبصار عبر تلسكوب جيمس ويب: سيميولوجيا الإدراك البصري”، يقدم الكتاب قراءة لافتة في كيفية تحول الرؤية العلمية إلى خطاب دلالي. فالصورة هنا ليست انعكاسا للواقع، بل علامة مؤطرة ثقافيا، تخضع لمنطق التأويل والتمثيل. ومن هذا المنظور تصبح التكنولوجيا البصرية جزءا من صناعة السلطة المعرفية، لأنها تحدد ما يمكن رؤيته، وكيف يُرى، ولماذا يُمنح معنى دون آخر. ومن أكثر مباحث الفصل الأول راهنية، مبحث “غزو الحمقى: وسائل التواصل الاجتماعي وإنتاج العلامة”، حيث يناقش المؤلف بجرأة آليات المنصات الرقمية في إنتاج الشهرة الزائفة، وتضخيم الخطاب الشعبوي، وتحويل الرمز الثقافي إلى سلعة تفاعلية. لا يقف المؤلف عند نقد وسائل التواصل، بل يذهب إلى تفكيك اقتصاد العلامة الذي يحكمها، حيث تصبح التفاهة نفسها قابلة للتداول بوصفها قيمة رمزية.
في الفصل الثاني: العلم والناس، يقترب الكتاب من البعد السوسيولوجي للمعرفة. ففي مبحث “العلم وخصوبة الخيال السوسيولوجي”، يوظف المؤلف الخيال السوسيولوجي لفهم كيف تنتقل الأفكار العلمية من المختبر إلى المجال العام، وكيف تتشكل حولها تصورات شعبية ومؤسساتية. أما “العدة الأيديولوجية للعلم” فيطرح سؤالا بالغ الأهمية: هل العلم محايد حقا؟ يبين المؤلف أن كل معرفة تتحرك داخل أطر قيمية ومؤسساتية، وأن خطاب العلمية قد يتحول أحيانا إلى أداة شرعنة لهيمنة سياسية أو اقتصادية. ويواصل الكتاب هذا المسار في مبحث “رؤية العالم والخبرة الإنسانية”، حيث يناقش العلاقة بين النماذج المعرفية وتجربة الإنسان الوجودية، قبل أن ينتقل إلى “حول الفاعلية الإنسانية” ليؤكد أن الإنسان، رغم طغيان الأنظمة التقنية، لا يزال يمتلك قدرة على الفعل والمقاومة وإعادة التأويل. ويعد مبحث “سيميولوجيا العوالم الممكنة وإنتاج المعنى” من المباحث الرفيعة في بنائه النظري، إذ يشتغل على فكرة أن الفضاء الرقمي لا يعكس العالم فحسب، بل ينتج عوالم موازية، رمزية وافتراضية، تصبح بمرور الوقت أكثر تأثيرا من الواقع نفسه. ويكتسب هذا التحليل عمقا إضافيا مع مبحث “العقل وتحيزاته: فرانسيس بيكون وعوائق التجربة العلمية”، حيث يستثمر المؤلف مقولات بيكون حول الأوهام المعرفية لفهم التحيزات الخوارزمية والتحيزات الإدراكية في العصر الرقمي.
في الفصل الثالث: التكنولوجيا الغامرة، العالم وقد غدا افتراضيا، يدخل الكتاب إلى قلب الإشكال المعاصر. مبحث “أن تكون رقميا” يناقش التحول من الهوية الاجتماعية إلى الهوية الشبكية، حيث تصبح الذات ملفا من البيانات، وسيرة من الخوارزميات، وصورة من التفاعلات. ثم يأتي مبحث “السايبورغ وأخلاقيات ما بعد الإنسانية” ليطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الحدود بين الإنسان والآلة، وحول مستقبل الجسد في عصر التعزيز التكنولوجي. أما مبحث “الذكاء الاصطناعي في مواجهة الجائحة”، فيقدم قراءة تطبيقية مهمة لدور الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات الصحية، من التنبؤ إلى التحليل إلى دعم القرار. ويعقبه مبحث “الرأسمالية الرقمية وتفاعلاتها الثقافية”، الذي يعد من أهم مباحث الكتاب، لأنه يكشف كيف أصبحت البيانات موردا اقتصاديا مركزيا، وكيف تعيد المنصات تشكيل الثقافة وفق منطق السوق والربح والتنبؤ بالسلوك.
في الفصل الرابع: رؤى حول محو الأمية الرقمية، ينتقل الكتاب من التحليل النظري إلى الأفق العملي. ففي مبحث “التعليم والمعنى: حول التثقيف المعلوماتي والإعلامي”، يركز المؤلف على ضرورة بناء وعي نقدي يمكن المتعلم من التمييز بين المعلومة والمعنى، وبين الخبر والتلاعب، وبين المعرفة والضجيج الرقمي. ويستكمل هذا في “التعلم القائم على العمل”، حيث يربط بين المهارات الرقمية ومتطلبات سوق العمل المتحول. أما مبحث “مستقبل التعليم في ظل تطورات الذكاء الاصطناعي”، فهو من أكثر أجزاء الكتاب استشرافا، إذ يناقش التحول من التعليم القائم على التلقين إلى التعلم الشخصي المدعوم بالخوارزميات، مع ما يرافق ذلك من تحديات أخلاقية وتربوية. ويأتي مبحث “في بلاغة الحوار المعرفي” ليؤكد أن جوهر العملية التعليمية لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في إنتاج حوار معرفي حي يوسع أفق الفهم.
وتصل أفكار الكتاب إلى ذروتها في الخاتمة المعنونة “العلم بوصفه ممارسة اجتماعية: قلق المعرفة وضمور التاريخ”، حيث يقدم المؤلف تأملا نقديا في مصير المعرفة في العصر الرقمي. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة ازدهار الفهم، بل قد تقود إلى قلق معرفي دائم، وإلى ضمور الحس التاريخي لصالح الحاضر المستمر الذي تفرضه المنصات. إن القيمة الأهم لهذا الكتاب تكمن في قدرته على الجمع بين العمق الفلسفي والاتساع المعرفي والراهنية التطبيقية. فهو ليس كتابا عن التكنولوجيا فقط، بل كتاب عن الإنسان في زمن التكنولوجيا، عن السلطة حين تتحول إلى سردية، وعن المعرفة حين تصبح مجالا للصراع الرمزي. وعليه، يمكن القول إن “السردية الرقمية وصياغة خطاب السلطة” يمثل إضافة نوعية في المكتبة العربية المعاصرة، لأنه يقدم إطارا تفسيريا متماسكا لفهم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم الرقمي، ويمنح القارئ أدوات نقدية لفهم العلاقة المعقدة بين العلم، والسلطة، والإنسان، والمنصة، والمعنى. إنه كتاب مرجعي للباحثين في الإعلام، وعلم الاجتماع، وفلسفة التقنية، والدراسات الثقافية، ولكل من يسعى إلى فهم كيف يعاد تشكيل الوعي في زمن الخوارزميات.