المقالات

أطروحة الإسلام العلماني: من سلطة النص إلى سيادة الإرادة العامة

حين نتأمل في سيرورة الإسلام منذ نزوله وتشكّله إلى اليوم، تتكشف أمامنا حقيقة تاريخية برزت بوضوح في العقدين الأخيرين، باعثُها ما يسميه محمد سبيلا بـ صدمة الحداثة Modernity Shock، حيث يؤكد في كتابه “المغاربة في مواجهة الحداثة” أن: “القرن التاسع عشر بمثابة بداية للاحتكاك الفعلي للمغرب بمظاهر الحداثة الأوروبية، العسكرية منها والصناعية. في هذه الفترة، وعلى إثر هذه الهزائم التي شكلت بالنسبة للمغاربة بداية “صدمة الحداثة” ومنذ الحملات الاستعمارية عاد السؤال النهضوي ليطرح من جديد: لماذا تقدّم الغرب وتأخّر الشرق؟ لا بوصفه استفهامًا عابرًا، بل كحدث إبستمولوجي مفصليEpistemological Rupture    كشف عن وجود خللٍ بنيوي في أنماط التفكير والهوية الحضارية، وفرض ضرورة إعادة  صياغة الموقف الأنطولوجي من الحاضر والماضي لتأمين المستقبل من الفكر الجهادي والأصوليات المعادية للدولة الحديثة، وهذا ما يعطي  للنقاش راهنيته في مغربنا المعاصر والسبب في ذلك هو أن بنية الواقع Structure of Reality   نفسها تعيد إنتاجه وتفرض الحاجة إليه باستمرار، نظرا لما تنطوي عليه -بنية الواقع وتمثله الذهني-من توترٍ داخليٍّ يتّسع جيلًا بعد جيل، خاصةً بين البراديغم المؤطر  للبنية الحديثة للدولة Modern State Structure التي تعيش داخلها المجتمعات الإسلامية فعليًا، وبين البراديغم المؤطر للبنية الفقهية الكلاسيكية Classical Jurisprudential Structure  الحاكمة للوعي الديني والمشكلة للهوية الثقافية للأفراد  المتدينين في المجتمعات الإسلامية  ولتمثلاتهم عن الدين عبر التاريخ.

وإنطلاقا من هذا التوتر البنيوي العميق، الذي لا يقف عند حدود التعارض بين الشريعة والواقع بل ينفذ إلى مستوى تشكيل الوعي والمخيال المؤطر لآليات إنتاج وتوجيه الموقف الديني، هنا تتبدّى المفارقة التي تحكم وجودنا المعاصر؛ مفارقة ذهنية وثقافية مركّبة Cognitive-Cultural Paradox أدت إلى إنتاج سوسيولوجي لحالة من الاغتراب النفسي Psychological Alienation  داخل الحاضر، حيث ينخرط المسلمون عمليا في واقع اجتماعي وسياسي وثقافي، ويعملون على استعمال أدواته ويخضعون لمنطقه، لكنهم، على المستوى المعياري والوجداني، يرفضونه ويستبطنونه كواقع مفروض لا باعتباره  وجود  تاريخي أملته حتمية التاريخ ، وهو ما يفضي نفسيا  إلى استدعاء متخيّل تاريخي لما يسمى الدولة الإسلامية، بوصفها أفقا بديلا ومصدرا  ويجسدونها في ما تمثل في التجربة التأسيسية مع الرسول والصحابة من تنظيم اجتماعي،حيث يتحول التاريخ إلى مرجعية معيارية مطلقة Absolute Normative Reference بدل أن يكون موضوعا للفهم والتحليل. ولا يشتغل هذا المتخيل بوصفه ذاكرة تاريخية، بل بوصفه أفقا خلاصيا Salvific Horizon، وهو ما يجعل المسلم يعيش حالة انقسام داخلي حاد Internal Split Consciousness بين زمنين: زمن يعيشه فعليا، وزمان يتخيله معيارا للحقيقة.

وعليه، فنحن اليوم لا نعيش مجرد تناقضٍ عابر، بل نتحرّك داخل بنية مفارِقة Paradoxical Structure  نستبطنها بشكلٍ لاشعوري، ونعبر عنها في سلوكنا اليومي، كما يعكسها واقعُنا المؤسسي والسياسي. فمن جهة، ندير علاقاتنا وفق القوانين الوضعية Positive Law، وتحكمنا مؤسسات دستورية حديثةModern Constitutional Institutions تعبّر عن تجسيد إجرائي ومعياري لوثيقة أسمى تجسّد الإرادة العامة General Will  باعتبارها مصدرًا للتشريع، وفي قطيعةٍ واضحة مع التصورات الثيوقراطية Theocratic Paradigm التي تجعل التشريع حكرًا على الإله كما تم تأويله تاريخيًا في أدبيات السياسة الشرعية والفقه السياسي.

غير أن هذا الأفق النظري يصطدم بواقع تاريخي مركب يتجاوز إمكانات الترقيع والاحتواء التراثي، نظرا لكونه واقع معقد تتداخل فيه الدولة البيروقراطية Bureaucratic State، والاقتصاد المعولم Globalized Economy، والشبكات الرقمية Digital Networks، والنظام الدولي المتشابك Interconnected International System، لدرجة يصبح معها الانفصال عنه وهما غير قابل للتصور عمليا. كما أن مفهوم السيادة Sovereignty، الذي تبلور في أعقاب صلح ويستفاليا، لم يعد يحتفظ بالدلالة نفسها في عصر البيانات الضخمة Big Data والقرية الكونية Global Village، بلغة مارشال ماكلوهان؛ إذ لم تعد الدولة تحتكر السلطة كما في السابق، بل أضحت جزءا من منظومات عابرة للحدود تعيد توزيع القوة والمعرفة والقرار. ومع ذلك، ورغم هذا التحول العميق في بنية العالم، لا يزال مخيال المجتمعات الإسلامية، وأخص بالتخصيص من تمت سلفنتهم وسلفنة وعيهم في مجتمعنا المغربي، وجعله أسير تصورات ما قبل حديثة Pre-modern Representation، وفي مقابل هذا الواقع المركب، خاصة عندما نغادر مستوى الواقع القائم إلى مستوى الوعي والفكر النظري، نجد أنفسنا أمام متخيل معياري مغلق Closed Normative Imaginary  يفترض أن الشريعة نظام سياسي مكتمل وجاهز، صالح للتطبيق في كل زمان ومكان دون اعتبار للتحولات التاريخية. ومن ثم، يتم اختزال حلول المشاكل في منطق العودة والإقامة داخل النصوص وثوابتها، والمؤسف أنها ليست عودة تاريخانية يمكنها أن تؤسس لاستئناف نقدي، بل تكون في الغالب استعادة حرفية لنموذج تاريخي تشكل في سياق اجتماعي وثقافي مغاير جذريا لسياقنا الراهن، بالشكل الذي يكرس استمرارية وصاية النص والفقيه. وهنا يتأسس ما يمكن تسميته بالانزلاق من التاريخ إلى ميتافيزيقا لا تاريخية، يتحول فيها ما هو نسبي وتاريخي إلى مرجعية لاهوتية تؤسس للمطلق والثابت.

وعند هذه النقطة، لا يعود هذا الانزلاق مجرد خلل تأويلي، بل هو تعبير عن بنية وجودية تعيد تشكيل وعي المسلمين بالعالم، خاصة حين تتحول السلفية إلى بنية ذهنية مستبطنة لاشعوريا وملتحمة بالخطابات وتتجاوز كونها تأويل للإسلام من داخل الإسلام. وفي هذا الأفق، تتجلى حالة من الفصام الحضاري الشامل Civilizational Schizophrenia؛ والمتمظهرة في كوننا نقبل أن نعيش ماديًا وتقنيًا داخل القرن الحادي والعشرين، في حين يظل تفكيرنا السياسي والمعياري مشدودًا إلى براديغم القرن السابع Seventh-Century Paradigm، مما يجعلنا نستهلك منتجات الحداثة، وننخرط في مؤسساتها، ونستفيد من منجزاتها العلمية، لكننا، في الآن نفسه، نمتنع عن الإقرار بشرعيتها الفلسفية والتاريخية والعلمية، وهو ما يكشف عن انفصال بنيوي بين الممارسة والتصور Practice–Concept Gap  .ومن هنا يتضح  أن التناقض والتوتر القائم  بين الدولة الحديثة والمرجعية الفقهية عند  دعاة الشريعة والحاكمية ليس توترا عرضيا و سطحيا يمكن رده إلى سوء تفاهم عابر، بل هو تعبير عن تعارض بنيوي عميق  وتاريخي يتمحور حول سؤال الشرعية Struggle over Legitimacy  والذي يمكن صياغته في السؤال: من يمتلك سلطة تعريف المجال العام وتحديد أفقه ومعاييره؟ هل هي الإرادة العامة بما هي تعاقد مؤسسي حديث يؤسس لسيادة القانون، أم سلطة النص كما يتم تثبيتها في ظاهره وتُعاد صياغتها عبر احتكار التأويل داخل تقاليد فقهية تاريخية، أي ما يمكن تسميته بالسلطة التأويلية للنص Interpretive Authority of the Text؟

               إن ما يجري هنا لا يختزل في اختلاف بين مرجعيتين، بل يتخذ طابع صراع على مصدر الإلزام ذاته: بين منطق مدني يؤسس الشرعية على التوافق الإنساني والتداول العمومي، ومنطق تأويلي يستمدها من إسنادها إلى نص مفارق كما تم تمثله وتأويله ضمن أفق تاريخي مغاير، ولذلك، لا   يجب أن يفهم رواج الخطاب الديني الراديكالي لدى فئات من الشباب أمرًا عرضيًا، بل يرتبط بقدرته على تبسيط إشكال بنيوي معقد عبر وعدٍ باستعادة الانسجام المفقود  Restoration of Lost Coherence بين الواقع والمعيار. ويتعزز هذا التأثير ويصبح مهددا في سياقات ضعف الدولة الحديثة، حيث تنزلق بعض التأويلات الدينية و تتحول إلى مشاريع سياسية بديلة تنازع الدولة في شرعيتها ووجودها.

               وعليه، يفضي التشخيص الدقيق إلى أن الإشكال لم يكن يومًا في حضور الدين داخل التاريخ، بل في تحويله من مجال لإنتاج المعنى، وانتزاعه من حركية التاريخ، إلى أداة للسلطة Instrument of Power. ومن هذا المنظور، لا يكمن الخطر في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، بل في تسييسه Politicization of Religion، أي في تحويله إلى مصدر ثابت لإنتاج الشرعية، أو إلى وسيلة لتبرير القرار السياسي، أو إلى أداة للصراع على الحكم. ومن ثم، فإن الخطر الحقيقي يتمثل في تحويل النص الديني إلى مصدر للشرعية السياسية Textualization of Political Legitimacy خارج إطار الدولة والدستور، بما يجعل توظيفه مكفرا لعقلانية الدولة ووضعانية تشريعاتها ومصادر شرعيتها.

               ومن هنا، يتعين إحداث قطيعة إبستمولوجية واعية Conscious Epistemological Break، لا مع الدين في ذاته، بل مع أنماط التفكير التي اختزلته ووظفته في منازعة السلطة الزمنية؛ قطيعة لا تقصي الدين، بل تعيد بناء العلاقة بينه وبين السياسة على أساس تمييز وظيفي صارم Functional Differentiation، يفصل بين الدين بوصفه أفقا قيميا مفتوحا، والسياسة بوصفها مجالا تدبيريا خاضعا للنقاش العمومي والتعاقد الاجتماعي. فبدون هذا التمييز، سنظل ندور داخل المفارقة نفسها، نعيد إنتاجها جيلا بعد جيل، ونؤجل بذلك إمكان التحرر من الفصام الحضاري والدخول في حداثة مفكر فيها لا مستعارة.

               وانطلاقا من هذا الأفق التحليلي، يغدو من الضروري إعادة النظر في التبريرات المقدمة للظواهر الراديكالية داخل المجال الإسلامي؛ إذ لا يمكن الجزم بأن الحركات الجهادية، وما يسندها من خطاب في القران أو السنة، تمثل انحرافا طارئا عن الإسلام أو عن تراثه الفكري، بل تكشف، في تقديري، عن إمكانية كامنة Latent Possibility داخله، خاصة حين يُقدَّم النص للمؤمنين باعتباره مرجعية سياسية جاهزة أو تصورا مكتملا لـ Social Contract، في مقابل مفاهيم الدولة الحديثة والديمقراطية، أي في أفق دولة الحق لا دولة الله.

               وعلى هذا الأساس، لا يمكن اختزال هذه الحركات وتبرير أفعالها عبر أحكام قيمة تنعتهم بالجهل البسيط أو المقدس، ولا في مؤامرة خارجية كما يُروَّج عادة؛ وحتى مع التسليم، جدلا، بإمكان هذه المآمرة التي تؤدي إلى توظيفهم في تمزيق سيادة الأوطان، فإن التحدي الحقيقي يظل قائما في ماهية النصوص التي تؤطر خطابها وتغذي قدرتها على الإقناع والتجنيد. فهذه النصوص لا تنتمي إلى مجالات المعرفة العلمية أو الأدبية أو الفلسفية، بل هي نصوص الشريعة ذاتها، التي لا نجرؤ، في كثير من الأحيان، على مواجهتها كما هي، ولا على الاعتراف بأن قراءتها الحرفية قادرة على إنتاج هذا النمط من الفهم، وتعبئة طاقة تدميرية موجهة ضد الحياة المعاصرة.

               وانطلاقا من ذلك، ينتقل مركز الإشكال من النص في ذاته إلى البنية التي تنتجه وتؤطر تأويله؛ إذ لا يتحدد الخطر في ظاهر النص فحسب، بل يتعمق داخل نظام الخطاب Discursive System الذي تشكل حوله، والذي لم يخضع بعد لتفكيك تاريخاني عميق يضع النصوص في سياقاتها ويميز بين ما هو زماني وما هو مطلق. وفي غياب هذا الأفق التاريخاني، يصبح النص مصدرا مفتوحا على إمكانات توظيف تتجاوز معناه الأصلي نحو التعبئة والتجنيد، منتجا بذلك ما يمكن تسميته بـ”الموتى الأحياء” Anachronistic Consciousness؛ أي ذوات تعيش في الحاضر ماديا، لكنها، على مستوى الوعي، تقيم داخل متخيل ماضوي مغلق.

               وعليه، فإن السؤال الذي أستعيده هنا، في ضوء أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، وما تلاها من تحولات عنيفة منذ 2010 في سوريا والعراق وليبيا ومنطقة الساحل، لا يتعلق بظهور التطرف في حد ذاته، بل بإمكانية ظهوره واستمرار هذا الظهور داخل سياقاتنا الإسلامية. والسبب في نظري، يكمن في عجزنا عن حسم العلاقة بين الدين والدولة Unresolved Religion–State Relation؛ فقد أبانت تجارب الإسلام السياسي والجهادي عن فشل ذريع في قدرتهم حين يصلون أو يستولون على السلطة على إدارتها دون الوقوع في مفارقة قاتلة: تجعلهم داخليا يفرضون الشريعة بالقوة والعنف والرصاص، وخارجيا يضطرون إلى الخضوع لقواعد القانون الدولي International Law ومحاولة التكيف مع منظومته. ورغم محاولاتهم فهذا التوفيق يظل مستحيلا، لأن الانخراط في النظام الدولي يفترض، بالضرورة، تحديث البنيات Structural Modernization  القانونية والثقافية والسياسية للدولة، بما في ذلك إعادة تعريف موقع الدين داخلها، وهو ما يجعل فكرة “دولة الشريعة”، بصيغتها الكلاسيكية، مستحيلة التحقق في العالم المعاصر، إلا إن جنحت إلى العنف.

               ومن هذا المنظور، فإن الإسلام العلماني Secular Islam   لا يقترح مشروعا للإصلاح الديني بالمعنى التقليدي الذي يكتفي بإعادة تفسير النصوص، لأنه، إن فعل ذلك، سيظل في النهاية أسير النص دون أن يغير موقعه من السلطة. كما أنه لا يتبنى العلمانية الصلبة التي حاولت استنساخ التجربة التاريخية الأوروبية دون مراعاة الخصوصيات الثقافية، فوجدت نفسها داخل حلقة مفرغة: إما تديين السياسة أو إقصاء الدين.

               وفي هذا السياق، وجدت نفسي، ذات يوم في نقاش مباشر مع بعض الشباب الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم من أهل السلف، ويتبنون خطابا تكفيريا منفرا عبر وسائل التواصل، أمام سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه ينتمي في عمقه إلى منطق محاكم التفتيش. فقد كان سؤالهم: “ما معتقدك؟”؛ فكان جوابي، بداهة: أنا مسلم علماني. ولم يكن هذا الجواب اعتباطيا، بل جاء نتيجة تفكير طويل في تاريخ الأديان والميثولوجيات، حيث تبدأ كل الديانات بـ أسطرة التأسيس Mythologization of Origins، لكنها تنتهي، تاريخيا، إلى تأويل بشري Human Interpretive Mediation  يسحب هذه الأسطرة من النصوص، ويحولها إلى أنماط من التمذهب والتقديس.

               وانطلاقا من هذا التوتر بين لاهوتية التأسيس وتاريخانية الممارسة الفقهية، يتبين أن التجربة المغربية -كما في غيرها- لا ترتهن لحرفية نصوص الشريعة ولا لنموذج علماني صلب، بل تتشكل داخل مسار تركيبي خاص يتخذ فيه الإسلام العلماني بنظري وبجب أن يتخذ، أفقا ناظما لإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة. هذا الأفق الذي ظل مرفوضا على المستوى النفسي والثقافي، بفعل رسوخ ذهنيات “الموتى الأحياء”Anachronistic Consciousness، وبفعل قابلية عنيفة كامنة Latent Violent Potentialفي المخيال الديني Religious Imaginary، الذي يضمن أن تكون هذه القوة العنيفة قابلة للانبعاث كلما أُعيد تفعيل النصوص خارج شروطها التاريخية، بفعل وعي مستلب يعطي مشروعية دينية للجهاد خاصة حين يُعاد تأويله كأداة للصراع مع الدولة ومصادر شرعيتها الوضعية. وفي هذا المستوى، لا يتعلق الأمر بمجرد توظيف عرضي للنص، بل ببنية ذهنية تؤسس لإمكان دائم لتحول المعنى الديني إلى أداة تقويض للنظام السياسي الحديث كلما ضعفت شروط الضبط المؤسساتي والقانوني

               لذلك، لا ينخرط الإسلام العلماني في السؤال التقليدي: هل نطبق الشريعة أم لا؟ لأنه سؤال يُبقي النقاش أسير ثنائية زائفة. بل يعيد الإسلام العلماني بنظري صياغة الإشكال في مستوى أعمق، يتمحور حول تحديد موقع الشريعة داخل بنية الدولة الحديثة انطلاقا من سؤال مركزي غايته :هل يُفهم النص الديني بوصفه مرجعية حاكمة تعلو على الدولة وتؤطرها، أم باعتباره أحد مصادر القيم والفضائل التي تغذي المرجعية الثقافية والأخلاقية للمجتمع داخل دولة حديثة، يشكل دستورها التعبير الأسمى والوحيد عن الإرادة العامة والمصدر الوحيد -بما تضمنه من ثوابث- للشرعية السياسية؟

               إن ما يطرحه الإسلام العلماني، في جوهره، لايتعلق  بتطبيق الشريعة بل  هدف الإسلام العلماني هو التفكير السؤال عن  الموقع الطبيعي للدين داخل دولة حديثة معلمنة، ؛ أي أن غاية أطروحة الإسلام العلماني هي الانتقال من استعادة نموذج تاريخي متعالٍ على شروط الحاضر، إلى التفكير في كيفية إدماج الدين داخل بنية حديثة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين النص والسلطة، بما يضمن أن لا يكون الدين أداة للهيمنة السياسية، بل أفقا للقيم داخل نظام يقوم على التعاقد والعقلانية القانونية والدينية التي تتم من داخل المؤسسات الدستورية المخول لها ذلك.

                              إن ما تقترحه أطروحة الإسلام العلماني لا يندرج في أفق إصلاح جزئي، بل في سياق إعادة تأسيس العلاقة بين النص والدولة Reconfiguration of Text-State Relation على نحو يحرر المجال السياسي من الوصاية التأويلية للنص، دون أن ينتزع من النص وظيفته القيمية. فالنص، في هذا التصور، لا يُلغى ولا يُقصى، بل يُعاد تموضعه داخل البنية الثقافية بوصفه خزانًا للمعنى، وليس باعتباره مصدرًا للهيمنة. ومن ثم، نغادر تصورًا فقهيًا يجعل النص متعاليًا على الدولة، إلى أفق فلسفي يدرجه ضمن سيرورة تشكيل الهوية Identity Formation. وبهذا المعنى، لا يُنفى الدين من المجال العام، بل يُنزَع من مستعمليه خارج المؤسسات – مؤسسة إمارة المؤمنين – ادعاءُ الاحتكار السياسي؛ إذ لا يعود التدين أداة للسيطرة، بل أفقًا دلاليًا يمد المجتمع بموارده الرمزية، ويصالحهم عبر التأويل العقلاني الذي يصالح المغاربة مع الحداثة، ويوقف فصامهم مع شرعياتها، خاصة حين يكون التأويل نابعًا من مؤسسة المجلس العلمي باعتبارها مؤسسة عقلانية يشرف عليها أمير المؤمنين بموجب اختصاصاته الدستورية، لقطع الطريق على خطابات تسعى إلى تقويض الدولة الحديثة عبر اختزال العلمانية في تمثلات كاريكاتورية تتجاهل تعقيدها التاريخي وتحوّلها إلى خصم وهمي.

               وفي هذا الأفق، تتحدد العلمانية، كما يعيد الإسلام العلماني تأويلها وإبداع مفاهيمها مستحضرًا خصوصياتنا وتجاربنا التاريخية، لا بوصفها قطيعة مع الدين، بل باعتبارها إعادة توزيع عقلاني للسلطات داخل المجتمع Reordering of Authorities؛ الذي تتأسس فيه الدولة على مقتضيات العقل القانوني الحديث Modern Legal Rationality، ويُعاد إدراج الدين ضمن أفقه الثقافي والاجتماعي، شريطة أن يخضع، في تعبيراته العمومية، لمسارات عقلنة وتأويل مؤسسي يمنع الفوضى، ويحصن المجتمع من التأويلات الراديكالية.

               ومن داخل هذا البناء، يُعاد فهم إمارة المؤمنين لا بوصفها مؤسسة تيوقراطية كما يروج خصوم الإسلام العلماني والدولة الحديثة، بل كآلية دستورية لضبط الحقل الديني وتأمين السيادة الروحية Spiritual Sovereignty داخل أفق الدولة الحديثة؛ وهو ما ينسجم مع منطق الدستور الذي يؤسس لتوازن دقيق بين الاستقرار السياسي والانفتاح الديمقراطي، عبر فصل السلط، وتوسيع المشاركة، وربط السلطة بالمحاسبة.

               وعلى هذا الأساس، لا يتحدد الفرق بين الإسلام السياسي والعلمانية الصلبة والإسلام العلماني في الموقف من الدين في ذاته، بل في موقعه ضمن تصورنا لمصادر الشرعية؛ إذ يؤسس الإسلام العلماني للشرعية انطلاقًا من الإرادة العامة المدنية Civic General Will بوصفها المصدر الأسمى للتشريع، دون أن نفصل هذه الإرادة عن الهوية الثقافية للمجتمع.

               وهنا يتحدد الرهان الحقيقي الذي مناطه تحرير النص من أن يكون أداة للصراع على السلطة، وإعادته إلى وظيفته الأصلية كمنتج للمعنى وموجه للقيم؛ وهو ما يفرض انتقالًا من التدين الامتثالي إلى التدين التأويلي، ومن الاستهلاك الرمزي للنص إلى إنتاج دلالي منخرط في شروط العصر. غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق داخل حدود الفتوى وحدها، بل يستدعي إصلاحًا ثقافيًا عميقًا Deep Cultural Reform يعيد تشكيل المدرسة والإعلام والفضاء العمومي، بما يرسخ ثقافة النقاش، ويفكك الطابوهات، ويؤسس لذوات قادرة على مقاومة خطابات الانسحاب من الحاضر نحو ماضٍ متخيل. ومن ثم، يصبح بناء مواطن قادر على التفكير النقدي شرطًا لإنتاج وعي جماعي عصي على الاختراق، وقادرًا على تحصين الدولة من التوظيف الإيديولوجي للدين.

               لذلك، لا يمكن اختزال الإسلام العلماني في كونه خيارًا فكريًا ضمن خيارات أخرى، بل ينبغي فهمه بوصفه مشروعًا حضاريًا Civilizational Project يستهدف تجاوز الفصام الذي يشطر وعينا بين حاضر نعيشه وماضٍ نستبطنه؛ إنه، في جوهره، دعوة إلى المصالحة مع الراهن، لا عبر القطيعة مع التراث، بل عبر إعادة إدراجه داخل أفق تاريخي يتيح العيش في الحاضر دون الارتهان لسلطة الماضي، انطلاقًا من وعي بأن تدبير الشأن الدنيوي يظل مجالًا إنسانيًا خالصًا، نحن أدرى بشؤونه وأقدر على تنظيمه في ضوء شروطنا التاريخية المتغيرة.

مصطفى الزاهيد

باحث في الفلسفة، يتابع دراساته بسلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل بالمغرب، حيث يشتغل على موضوع نشأة الحداثة العلمية والفلسفية في أوروبا من غاليليو وديكارت إلى كانط. حاصل على ماستر في فلسفة التواصل، وتكوين في علم الاجتماع، ويهتم بفلسفة العلوم، والعقلانية الحديثة، وتحولات العلاقة بين الدين والسياسة. نشر مقالات علمية محكمة وأعمالًا فكرية في كتب جماعية، كما يساهم في الكتابة الصحفية الثقافية حول قضايا الحداثة، والحرية، ونقد الخطاب الديني المعاصر. يندرج مشروعه ضمن محاولة إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الدين والدولة في السياق الإسلامي المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى