حين تعيد الحياة تشكيلنا

ما الذي تبدّل في أجسادنا وملامحنا، وفي مشاعرنا ومواقفنا؟ ما الذي ندمنا على فعله، واكتوينا بتداعياته؟ وما الذي ترك أثره فينا، فشكّل وجداننا وطبع نظرتنا إلى الحياة؟ أيّ اللحظات نتمنى لو استطعنا استعادتها، وأيّ الوقائع نودّ لو أنها لم تتكرر في مسار أعمارنا؟
نمضي في هذه الحياة كادحين، نركض خلف رغبات زائلة، ونسعى بشتى السبل إلى تحصيل الشهادات والخبرات، ونبذل الغالي والنفيس في سبيل إثبات الذات. تتقاذفنا مشاعر متناقضة: لحظات من الفرح تعقبها ساعات من الحزن، وموجات من الأمل تتلوها نوبات من الألم. وكأن الحياة لا تكف عن تذكيرنا بطبيعتها المتقلبة، كما قال الشاعر:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا
ويومٌ نُساء ويومٌ نُسرّ.
تلاعبنا عجلة الزمن، وتنقلنا من محطة عمرية إلى أخرى بسرعة لا نشعر بها. تنفلت منا لحظات السعادة والبهجة كما لو كانت ومضات عابرة، ثم تختفي فجأة لتفسح المجال لساعات من القلق والهم والسخط. وكأنها حركة كرّ وفرّ لا تنتهي، لا تجدي معها العزلة ولا الانصراف المؤقت عن الواقع.
أحيانًا تنتابنا مشاعر متناقضة تجاه العالم. نعتقد أن بعض الناس يعيشون في بحبوحة لا يعرفون معها وطأة القلق، ثم لا نلبث أن نشعر بأن الجميع يشتركون في همّ واحد، ويبحثون عن معنى واحد للحياة. وفي أحيان أخرى يخيل إلينا أننا جئنا إلى هذا العالم في الزمن الخطأ أو في المكان الخطأ.
تبدو خريطة البشرية أمام أعيننا متباينة: فيها من حالفهم الحظ، وفيها من قست عليهم الطبيعة، وفيها بقاع تحولت إلى موائل للضحايا والمنبوذين. وفي خضم هذا المشهد، أخذ طغيان الإنسان يتسع في مجالات الحياة كافة، حتى كأن كفة الطغيان المادي ترجح على حساب كل توازن ممكن. وحين يشتد هذا الطغيان، تفرّ جموع من الناس إلى الروحانيات، ويتيه آخرون في مسالك بلا نهاية، بينما ينغمس بعضهم في تفاهات الحياة ورداءتها.
ومع مرور الزمن، تتبدل رؤيتنا للأشياء. تترك التجارب المتراكمة والابتلاءات المتكررة أثرها فينا، فتتقلص مساحة الأحلام، وتبرز أولويات لم تكن تخطر لنا في السابق. ما كان يغري في زمن مضى لم يعد كذلك اليوم. يصبح الاهتمام باللحظة الحاضرة أكثر إلحاحًا من التفكير في الغد، والعناية بالذات أكثر حضورًا من الانشغال الدائم بالآخرين.
لم نعد ننظر إلى الماضي إلا لنستحضر ذكرى منتقاة نستمتع بالحديث عنها، مع علمنا أنها لن تتكرر في حاضرنا. فلكل لحظة زمانها ومكانها ووظيفتها المحدودة في سياق الحياة.
ولهذا، بعد يوم عمل شاق أو في نهاية أسبوع مثقل بالواجبات، يبحث المرء عن فسحة زمنية قصيرة تخرجه من رتابة الحياة وإيقاعها المتسارع. لحظة بسيطة تعيد إليه شيئًا من التوازن، وتمنحه فرصة للتأمل وسط عالم لا يكاد يمنح الإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه.
لم يعد المستقبل يثير الخوف كما كان من قبل؛ بل يبدو كأنه عدّ تنازلي هادئ، لا نعرف ما الذي يخبئه لنا. ومع هذا الإحساس المتغير بالزمن، يتراجع أيضًا هاجس الالتزامات الاجتماعية الثقيلة. يفكّ الإنسان شيئًا فشيئًا بعض قيوده، ويقلّ انخراطه في طقوس جماعية لا يرى فيها ما يضيف إلى سكينته الداخلية.
يتجه أكثر فأكثر إلى الإنصات لصوت ذاته، إلى ما تطلبه روحه لا ما يطلبه الآخرون. وهكذا تنتعش مناجاة النفس، ويميل المرء إلى العزلة الهادئة في أماكن لا ترتادها الجموع. يقل الحديث عن الأشخاص وسيرهم الخاصة، ويتحول الاهتمام إلى الأسئلة الكبرى: إلى مسارات السياسة لا تفاصيلها اليومية، وإلى مستقبل المؤسسات لا سلوكيات الأفراد.
إنها تحولات لم نخطط لها، لكنها تتشكل في داخلنا ببطء، مع تراكم الأيام والتجارب.
تمر الأيام سريعًا، وتتبدل ملامح من عاشرناهم وجاورناهم. يضيق المجال الجغرافي الذي كان يبدو واسعًا، وتكثر العلل التي لم نكن نعرفها من قبل. تظهر أمراض مزمنة، وتنشأ عادات جديدة بينما تنقرض أخرى.
ولعل من الطبيعي أن تحدث هذه التبدلات. فالإنسان نفسه يتغير مع الزمن. غير أن سؤالًا واحدًا يظل معلقًا في أعماقنا: ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا وسط كل هذا التغير؟
لم يعد منطق الامتلاك المادي مغريًا لمن بدأ يبحث عن نغمات الروح. ولم تعد العلاقات الاجتماعية ذات جدوى إن لم تمنح الإنسان شيئًا من السكينة. ولهذا انتهت صداقات كثيرة بصمت، لا بسبب خصومة، بل لأن الغاية منها قد انقضت.
إيقاع الحياة الحديثة يفرض عاداته وقيمه، ويولد أنماطًا جديدة من العيش. ولا يجد الإنسان أحيانًا سبيلًا للانفكاك منها إلا بالهروب إلى فضاءات أكثر هدوءًا، بعيدًا عن تعقيدات الحياة المدنية وصخبها، بحثًا عما يسميه البعض السلام الداخلي، أو المعنى العميق للوجود.
أقصى ما يتمناه المرء، في نهاية المطاف، هو أن ينعم بلحظات قليلة من السكينة.
وسط هذا العالم المتغير، يتقلب الإنسان بين ما كان يراه صوابًا وما صار يراه خطأ، وبين ما كان يعدّه قيمة وما أصبح يراه عبئًا. ولهذا يبدو التبدل والتطور نتيجة طبيعية لوجودنا على هذه الأرض.
وعندما يعجز الإنسان عن فهم هذه التحولات المتسارعة، يلجأ أحيانًا إلى اتهام الأجيال الجديدة بالانحراف أو القصور. وفي أحسن الأحوال يعلّق عجزه عن الفهم على شماعة مؤامرات أو قوى خفية، كي يعفي نفسه من عناء التفكير العميق في سر الوجود الإنساني.
غير أن هذه التحولات لا تخص فئة دون أخرى؛ فهي تطال الجميع، مهما اختلفت مكانتهم الاجتماعية أو مستوياتهم التعليمية. فكل إنسان يعيشها بطريقته، ويفسرها وفق تجربته الخاصة.
لقد أصبح العالم اليوم بين أيدينا، في شاشة هاتف أو حاسوب محمول، ينقل إلينا ما يحدث في كل لحظة. ومع ذلك، يبقى كثير مما يجري حولنا عصيًا على الفهم الكامل.
شيء ما يلوح في الأفق، سيغير ذواتنا ومجتمعاتنا بطرق لا ندرك كنهها بعد. وليس أمامنا إلا أن نصف واقعنا، وأن نقارن بين الأزمنة ومآلاتها. أما التنبؤ بما سيأتي، فليس إلا ضربًا من الرجم بالغيب.
فالتاريخ يشبه سيلًا جارفًا يحمل معه المفاجآت، ويسير في مسار يتجاوز إرادة الأفراد. وما يملكه الإنسان في النهاية ليس سوى قدر محدود من التأثير، بقدر ما تسمح به إمكاناته والطاقة التي يمتلكها في اللحظة التاريخية التي يعيشها.
ويبقى، وسط كل هذا الجريان، صوت خافت في أعماقنا يذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالزمن وحده، بل بما يتركه الزمن في روحه.