المقالات

الفكر العربي المعاصر بعيون أوربية: حوار مع الأكاديمي الهولندي هارالد فيرسن

تعريف بالمحاوَر: هارالد فيرسن أستاذ بجامعة رادبود نايميخن بهولندا. متخصص في الفكر العربي المعاصر وفي التاريخ الفكري للعالم العربي بشكل عام. تشمل خلفيته الأكاديمية دراسات في الفلسفة والقانون والدراسات العربية والشرق أوسطية. تركز أطروحته  للدكتوراه (ماربورغ، 2021)، التي نُشرت عام 2024 مع دار النشر الشهيرة De Gruyter[1]، على المناقشات المعاصرة بين المفكرين العرب، وتقترح طرقًا جديدة لفهم الفكر العربي من خلال تصورات مختلفة للزمن والأصالة والحداثة. يعمل هارالد حاليًا على الفلسفة والتاريخ الفكري في المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام. ومن الموضوعات التي تهمه بشكل خاص: الأخلاق، وحقوق الحيوان، وتعليم الأخلاق والفلسفة، وتصورات الإسلام، وتاريخ المفاهيم.

السؤال الأول:

يوسف مدراري: هل يمكنك أن تحدثنا عن مسارك الأكاديمي وما الذي قادك إلى التخصص في ميدان الدراسات الإسلامية؟

هارالد فيرسن: خلفيتي الأكاديمية هي الفلسفة؛ فقد درستها بالإضافة إلى القانون في جامعة أمستردام. بالإضافة إلى ذلك قمت بتحضير ماجستير في الفلسفة في جامعة كمبريدج. وتجدر الإشارة إلى أن اهتمامي في البداية لم يكن منصبا بتاتا على الفلسفة العربية الإسلامية. بل على العكس فقد كتبت عن شخصيات من قبيل فيتكنشتاين  (Wittgenstein) وكانط (Kant) ؛ حيث كنت أشتغل ضمن المدونات (canon) الغربية. لكن هذا تغير عندما عدت من كامبيردج سنة 2012، فقد أصبحت محبطا من الفلسفة في الميدان الأكاديمي، بالإضافة إلى الحيرة التي انتابتني، لذلك قررت العودة إلى أمستردام لإنهاء دراستي في القانون، ولأنه كان عندي متسع مت الوقت فكرت في تعلم أشياء أخرى. وقد كان عندي اهتمام باللغات، وكانت اللغة العربية أكثر اللغات غير الأوربية إثارة بالنسبة لي، بالإضافة إلى أنها متاحة للتعلم في الجامعة في ذلك الوقت، لذلك قررت أن أجرب تعلمها. وقد كان هذا القرار من قبيل القرارات التي تغير مسار حياة الانسان. وقد استمتعت حقيقة بتعلم اللغة العربية وآدابها وثقافتها وحضارتها، لدرجة أنني بعد عام من الدراسة ذهبت للعيش في القاهرة من أجل تعلم اللغة العربية. كانت هذه تجربة مكثفة للغاية، ليس فقط بسبب وتيرة الحياة المحمومة في القاهرة، ولكن أيضًا لأني كنت منخرطًا في دراسة يومية مكثفة. بعد سنة كنت بحاجة لعمل قار، وكان الأمثل هو الحصول على عمل يمكنني من استعمال وتطوير لغتي العربية، وهذا ما قادني للعودة للمجال الأكاديمي. لذلك استقر تفكيري في إيجاد موضوع بحث يمكنني من استعمال العربية، ويمكنني مواصلة اكتشاف العربية للسنوات القليلة المقبلة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن خلفيتي المعرفية هي الفلسفة، كان الطريق الواضح هو القيام بأطروحة دكتوراه في هذا المجال. قد يبدو أن هذا يتعارض مع إحباطي من الفلسفة الأكاديمية، أو هكذا بدا لي عندما بدأت أفكر في الأمر. ومع ذلك، أدركت أيضًا أن إحباطي السابق كان ناتجًا عن حقيقة أن الفلسفة الأكاديمية المعاصرة غالبًا ما تكون شديدة الدقة ومتشعبة التفاصيل، وبعيدة الصلة عما يجري في المجتمع. ربما يكون موضوع أقرب إلى النقاشات الجارية بين المثقفين العرب أكثر أهمية وارتباطًا بما يحدث في المجتمعات العربية الحالية. كما أن أحد الأمور التي جذبتني في الفكر العربي هو ضحالة معرفتي به. خلال فترة دراستي الجامعية، حضرت دورة قصيرة عن الفارابي (ت. 339/ 950) ، وسمعت عن عمالقة التراث الفلسفي الإسلامي – ابن سينا، ابن رشد (ت.595)، الغزالي (ت.505/1111) – لكن لم تكن لي معرفة بما حدث في العالم العربي أو الإسلامي الحديث.

هذا ما دفعني لاكتشاف الفكر العربي المعاصر. في البداية كان عليّ أن أكتفي بما كان مترجمًا إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. لكن مستواي في العربية لم يكن بعد يسمح لي بسهولة الولوج إلى هذه النصوص الصعبة. ولهذا السبب، كان الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري أول مفكر تعاملت معه بجدية، لأن العديد من نصوصه كانت متوفرة في ترجمات إلى اللغات الأوربية. كما أنني وجدت في مقدمة كتابه شديد التأثير تكوين العقل العربي الإلهام لمشروع الدكتوراه الذي شرعت فيه عام 2015. ففي تلك المقدمة، وجدت مقطعًا يميز فيه الجابري، بطريقة شاملة إلى حد ما، بين “العقل اليوناني” الذي يتسم بالمادية والتنظير، و”العقل العربي-الإسلامي” الذي يتسم بروحانية أكثر ويميل إلى الأخلاق. سؤالي، في هذه المرحلة المبكرة جدًا، انطلق من هذا التمييز. وقد تمحور حول كيف يمكن لتصور “العقل العربي” كونه أكثر أخلاقية أن يؤثر على الطريقة التي يفكر بها المثقفون العرب في الأخلاق ويكتبون عنها.

السؤال الثاني:

يوسف مدراري: كيف تصف لنا الحالة الراهنة للدراسات الإسلامية في هولاندا بالمقارنة مع الدول الأوربية الأخرى.

هارالد فيرسين: لا يخفى عليكم أن العلوم الإنسانية في هولندا وأوروبا عمومًا تمر بمرحلة حرجة. بالنسبة لهولندا فهي تعاني من تخفيض لميزانية أقسام الدراسات الإسلامية بسبب انخفاض أعداد الطلاب، وأيضًا نتيجة المناخ السياسي الذي أصبحت فيه مؤسسات التعليم العالي، ولا سيما الدراسات التي تبدو أقل ربحية من الناحية الاقتصادية مثل العلوم الإنسانية، عرضة لتقليص كبير في التمويل الممنوح لها. وتتعرض عدة مؤسسات، من بينها أقسام الدراسات العربية والإسلامية في الجامعتين الشهيرتين لايدن وأوترخت لنقص كبير في التمويل، وهذا يهدد بتراجع تقليد أكاديمي لدراسة الإسلام يعود إلى القرن السابع عشر.

ورغم هذا التراجع في التمويل هناك تطور نوعي في الأبحاث المنجزة. ففي أقسام الدراسات الإسلامية، مثل تلك التابعة لجامعة أمستردام الحرة، وجامعة أوترخت، وجامعتي رادبود نايميخن، وكذلك في الأقسام الأكثر تركيزًا على دراسات الشرق الأوسط، هناك مجموعة كبيرة من الباحثين يعملون على جوانب مختلفة من الإسلام التاريخي والمعاصر. بالإضافة إلى ذلك، توجد جامعة إسلامية ذات طابع ديني في روتردام تركز بشكل أكبر على العقيدة الإسلامية والرعاية الروحية. لدينا أيضًا منظمة شاملة تُعرف باسم “المدرسة الهولندية الجامعية للدراسات الإسلامية” (Netherlands Interuniversity School for Islamic Studies) (NISIS)، والتي تنظم فعاليات وبرامج تدريبية منتظمة لطلاب الدراسات العليا.

السؤال الثالث: ما هي أهم الاتجاهات البحثية في الدراسات الإسلامية في هذه الأيام وعلى أي شيء تركز؟

هارالد فيرسن: بالطبع، فإن بعض التوجهات البحثية الرئيسية في الدراسات الإسلامية الأوروبية تتعلق بكيفية تطور الإسلام وكيف يشتغل ويتفاعل مع المجتمعات الأوروبية. على سبيل المثال، يُعد الإسلام في هولندا موضوعًا مهمًا في العديد من البرامج الأكاديمية، وكذلك دراسة الإسلام في أوروبا بشكل عام. تسعى الأبحاث في هذه المواضيع إلى بيان الطرق التي من خلالها يتكيف ويزدهر الإسلام في السياق الأوروبي، لكنها أيضًا تسلط الضوء على العوائق والمعارضة التي يواجهها الإسلام من قِبل الأفراد والمؤسسات الحكومية. بالإضافة إلى الفرص التي تتيحها هذه التشكيلة الاجتماعية والسياسية المختلفة لتطوير البحث في الإسلام في اتجاهات وآفاق جديدة.

لقد أظهر العديد من الباحثين من الناحية التاريخية منذ فترة طويلة عن العديد من الطرق التي تُظهر أن الإسلام لم يكن غريبًا عن أوروبا، بل كان جزءا لا يتجزأ من المجتمعات الأوربية. وهنا لا أقصد فقط فترة حكم المسلمين في الأندلس، بل أيضًا القصص الأقل شهرة عن المسلمين الذين عاشوا في هولندا وأماكن أخرى لعدة قرون. ومن الطبيعي أن يكون هذا الموضوع مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بدراسة الهجرة، والتي تُعد موضوعًا ذا أهمية سياسية كبيرة حاليًا. تركز العديد من الأحزاب السياسية على موضوع الهجرة، وخصوصًا هجرة المسلمين إلى أوروبا، باعتبارها معضلة يجب وضع حد لها. يسعى الباحثون إلى وصف الجذور التاريخية لهذه الهجرة وكيف يستمر تأثيرها على حياة المسلمين في أوروبا بطرق عديدة وغالبًا مفاجئة، مع بيان أسباب الهجرة عوض ترك الأمر للسياسيين.

هناك موضوع آخر يُدرس على نطاق واسع بسبب أهميته السياسية هو ظاهرة الإسلام السياسي، سواء في أوروبا أو في العالم الإسلامي.  وبعيدًا عن هذه المواضيع الأوسع والأكثر ارتباطًا بالسياسة، وجد العديد من الباحثين، بمن فيهم أنا، مجالات بحثية خاصة بهم. هناك أعمال مبتكرة تُنجز حول مختلف جوانب التاريخ الإسلامي، والتصوف، والتفسير، وعلم الكلام، والعديد من جوانب التراث الإسلامي الأخرى، بالإضافة إلى أبحاث أنثروبولوجية وسوسيولوجية حول الممارسات والاتجاهات الإسلامية الحالية. فيما يخص هولندا، لا يزال الاهتمام بالفلسفة الإسلامية ضعيفًا نسبيًا، لكنني آمل أن يتغير هذا الوضع مع المجهودات التي تبذل داخل أقسام الفلسفة لفتح المجال أمام أصوات فلسفية غير أوروبية.

ربما تجدر الإشارة أخيرًا إلى موجة جديدة من الكتب والمقالات التي تناقش الجوانب النظرية لمقاربة الإسلام. ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه كتاب What is Islam  “ما هو الإسلام؟” لشهاب أحمد، وكتاب طوماس باور Die Kultur der Ambiguität. Eine andere Geschichte des Islams (ثقافة الالتباس: نحو تاريخ اخر للإسلام ، وكتاب شيرمان جاكسون (Sherman A. Jackson) The Islamic Secular “الإسلامي العلماني”. هذه الدراسات تبني على النقاشات السابقة حول ماهية الإسلام (كموضوع للدراسة الأكاديمية) وكيف يمكن دراسته بشكل مثمر – ولا سيما مقال طلال أسد الرائد “فكرة أنثروبولوجيا الإسلام” (The Idea of an Anthropology of Islam) وكتاب إدوارد سعيد “الاستشراق”. تقدم هذه الدراسات خلفية جديدة لجيل من الباحثين.

السؤال الرابع

يوسف مدراري: ما هي التحديات التي تواجهها الدراسات الإسلامية والباحثين فيها اليوم في الغرب؟

هرالد فيرسن: لقد ذكرتُ بالفعل النقص العام في الدعم السياسي للعلوم الإنسانية، وهو ما يبدو أنه مشكلة عالمية. أما بالنسبة لدراسة الإسلام على وجه الخصوص، فهناك عدد من التحديات التي يجب مواجهتها. أولاً، بسبب الطريقة التي أصبح بها الإسلام موضوعًا حساسًا سياسيًا، يجب على الباحثين توخي الحذر عند التحدث عن الإسلام. فالموقف المتزن الذي لا يتماشى مع التصوير السلبي للإسلام، الذي تروج له بعض وسائل الإعلام الهولندية وعدد كبير من الأفراد، من المرجح أن يجلب الكثير من الانتقادات.

مشكلة أخرى تتمثل في تراجع اهتمام الجمهور بالدين، وخاصة دراسة الأديان، على مدى السنوات الماضية. في بلد علماني إلى حد كبير مثل هولندا، حيث تُعرّف الأغلبية نفسها بأنها غير متدينة، يُنظر إلى تخصيص الدراسة الجامعية لدراسة الدين، سواء كان المسيحية أو الإسلام أو أي تراث ديني آخر، على أنه إضاعة للوقت والمال. يميل الطلاب وأولياء أمورهم بشكل متزايد إلى رؤية الجامعة كمكان لتعلم المهارات التي يمكن أن تؤدي إلى الحصول على وظيفة جيدة، ومعرفة الدين ليست من بين هذه المهارات.

شخصيًا، لا أتفق مع هذا الرأي. أعتقد أن الدين ضروري لفهم العالم الحديث الذي نعيش فيه، ولهذا السبب فدراسة الدين من شأنه أن يوفر فرصة للحصول على وظائف، خاصة مع قلة الأشخاص الذين يمتلكون هذه المعرفة أو المهارات اللازمة لدراسة الدين. ومع ذلك، هذا ليس ما يراه طلابنا المحتملون. وعندما يبتعد الطلاب، فإن ذلك يؤثر بطبيعة الحال على قدرتنا على البقاء كقسم أكاديمي في الجامعة.

السؤال الخامس:

يوسف مدراري: كتابك الذي نشرته مؤخرا بعنوان “ The Time of Turāth ” يغوص في مسألة الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي المعاصر. ما الذي حفزك للخوض هذا الموضوع، وما هي الأفكار التي تأمل أن يتلقاها القراء من خلال كتابك؟

هارالد فيرسن: إن هذا الكتاب منبثق عن أطروحتي للدكتوراه. بداية هذا المشروع البحثي رأى النور من خلال محاولتي البحث في الخطاب الأخلاقي العربي المعاصر. ما وجدته أثناء بحثي هذا الموضوع هو أنه على الرغم من كون مصطلح الأخلاق يُستخدم كثيرًا في الخطاب الفكري والسياسي، إلا أن هناك نقصًا كبيرًا في الناحية النظرية في بيان ماهية الأخلاق. بمعنى آخر، هناك قلة من الكتب التي تقدم مشروعا أخلاقيا متكاملا من وجهة نظر معينة. حتى في كتاب مثل “العقل الأخلاقي العربي” لمحمد عابد الجابري، نجد أن الكتاب لا يقدم نظرية أخلاقية بحد ذاتها، بل يستكشف كيف يمكن اعتبار بعض التقاليد الأخلاقية أصيلة عربية أو إسلامية، في حين أن أخرى تُنسب إلى التراث العربي الإسلامي وهي في الواقع ذات أصل فارسي أو يوناني. بعبارة أخرى، كانت النقاشات حول الأخلاق تقود إلى الخطاب الأوسع حول الأصالة والمعاصرة.

الاستثناء الوحيد نوعا ما هو الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، لكن مشروعه الفلسفي في جزء كبير منه يتفاعل مع النموذج السائد في السجالات حول الأصالة، أي ما الطريقة الصحيحة لكي نتعامل مع التراث. وإدراكًا لهيمنة هذا النموذج المتمركز حول التراث وغياب النقاشات الواضحة والمحتوى الفعلي عن الأخلاق، فكرت في أن أجعل هذا النموذج نقطة انطلاق لي. بدلًا من التركيز على الأخلاق، ركزت على مفهوم الأصالة وكيف يحتل حيزا مهما في المساجلات العربية المعاصرة حول التراث. كان السبب في توجهي نحو هذا الموضوع هو أن الأصالة أصبحت، في العصر الحديث، بحد ذاتها من المثل الأخلاقية. إن الدعوة لأن يكون الشخص أصيلًا يمثل جوهر الأخلاق بدءًا من روسو، إلى نيتشه، إلى سارتر وآخرين.

علاوة على ذلك، فإن الأصالة مفهوم غني ومعقد، بل وحتى متناقض. وهذا واضح، على سبيل المثال، في كيفية استخدام الأصالة للإشارة إلى شخص يعمل دون الاعتماد على مثال سابق (كمنشئ و كمبدع) ويشير أيضا إلى الشخص الذي يتسمك بدقة بالأعمال السابقة. ومن خلال التركيز على هذا المفهوم، تبين لي أنه يمكن التفصيل في وجهات النظر الأخلاقية المختلفة بين المثقفين العرب من خلال النظر في تفسيراتهم المختلفة للأصالة؛ حيث كان هذا موضوعًا أسال مداد العديد من الباحثين في الوطن العربي.

أما العصرانية التي تشكل النصف الثاني من عنوان الكتاب، فقد اضطررت للخوض فيها لاحقا عندما أدركت أن الكتابة عن الأصالة وحدها ليس كافيا. فالأصالة، في السياق العربي وأيضًا الأوروبي، متجذرة في تصورات الزمن. وهذا واضح بشكل خاص في الشعار الذي أصبح يعرف خطاب الأصالة العربي إلى درجة تبنته حتى بعض الأحزاب السياسية، وهو “الأصالة والمعاصرة”. ما يُفهم غالبًا من هذا الشعار هو وجود معارضة بين “الأصيل” و”المعاصر”، أو “الحديث”.

الاستنتاج الذي توصلت إليه أنه لفهم الطرق التي يتم بها فهم الأصالة (والحداثة) في الخطاب الفكري العربي، يجب أن نكون على دراية بالأطر الزمنية التي تمنح المفهوم معناه. على سبيل المثال، يُعتبر من المسلمات أن الأصالة تشير إلى شيء ينتمي إلى الماضي، وأن هذا الماضي قد تم تجاوزه بحاضر أكثر حداثة. ومع ذلك، فإن هذا استنتاج يعتمد بشكل كبير على تصور تقدمي خطي للتاريخ، حيث يُنظر إلى الماضي على أنه مجال تقاليد قديمة يعتبرها الكثيرون من الحداثيين متجاوزة.

بهذا التصور الزمني أيضًا، يقرأ العديد (ولكن ليس الجميع!) المهتمين بالمساجلات حول التراث هذه النقاشات على مدى العقود الماضية. غالبًا ما يميلون إلى حصر النقاش في مجموعة من التقليديين يعارضهم حداثيون، مع وجود مجموعة تسعى للعثور على طريق وسط بين هذين الفريقين. كانت فرضيتي أنه إذا بدلاً من النظر إلى السطح الظاهر لهذه النقاشات حول التراث، ننظر إلى التصورات الزمنية التي تُفهم ضمنيًا أو تُناقش صراحة في أعمال المثقفين العرب، قد نجد طرقًا بديلة لفهم التراث، لا تتبع القراءة الثنائية للأصالة والحداثة، وتفتح المجال لأبحاث تكشف عن مجموعة أكثر غنى وتعددية من الأصوات في الخطاب الفكري المعاصر في العالم العربي.

السؤال السادس:

يوسف مدراري: في كتابك نلحظ حضورا كثيرا لمفكرين مثل زكي نجيب محمود وأدونيس وطه عبد الرحمن، فما هي المعايير التي تستعملها في اختيار مثل تلك الشخصيات، وما هي الرؤى الفريدة التي يقدمونها؟

هارالد فيرسين: بقدر ما كان عملي في الكتاب يتقدم،  بقدر ما كانت قائمة المفكرين الذين أشتغل عليهم تتغير. عندما شرعت في البحث لأول مرة أعددت قائمة للمفكرين من مناطق مختلفة من العالم العربي من أجل إعطاء تمثيل متوازن للخطاب العربي في شموليته. بمجرد أن أصبحت المقاربة النظرية أكثر تعقيدا أدركت أني لن أكون قادرا على تغطية كل المفكرين الذين أدرجتهم في القائمة. في الأخير قررت أن أركز على الثلاثة أعلام الذين ذكرتهم. لأنهم يتيحون لي إمكانية تناول مختلف مناحي الأطروحات التي يتضمنها الكتاب حول الزمن والأصالة. لقد اخترت زكي نجيب محمود لأنه ذائع الصيت وكذلك لتأثيره الكبير باعتباره كاتبا كما أنه يشكل بالنسبة لي خير مثال على ما سميته السردية المعيارية للفكر العربي المعاصر. زكي نجيب محمود واضح في تبنيه لمفهوم خطي تقدمي للزمن؛ حيث المستقبل، إما أن يكون أو على الأقل من المفترض أن يكون، تقدما عن الماضي والحاضر. في تحليلي أظهرت كيف أن تصوره للزمن يكمن في قراءته للتراث وتقسيمه الصارم بين الأصالة والحداثة. بالنسبة للمفكرين الآخرين فقد وقع الاختيار عليهم لأنهم يعرضون هذا البراديغم بصورة مختلفة ولكن كذلك متشابه إلى حد ما. بالرغم من كون أدونيس قد عرف إلى حد كبير باعتباره شاعرا فهو إلى جانب ذلك ساهم في النقاشات حول الثقافة العربية والتراث، خصوصا في أطروحته “الثابت والمتحول”. في هذا الكتاب يتبنى أدونيس مفهوم الخط التقدمي للزمن والذي يعد مركزيا بالنسبة لزكي نجيب محمود، لكن أدونيس يعتبره مجرد شكل أكثر دنيوية للزمن، مرتبطًا بالتجربة اليومية ونظرة مادية عقيمة إلى حد ما للعالم. ويعارض هذا الزمن “الأفقي” بزمن “عمودي” مرتبط بلحظات الإبداع. يرى أدونيس “زمن الإبداع” نوعًا أكثر أصالة من الحداثة مقارنة بالحداثة المحددة زمنيًا التي نعيشها حاليًا. ويطرح هذا النوع من الحداثة الإبداعية كروح للديناميكية (*المتحول*)، وهو يرى نفسه كناقل لهذه الروح.  أما المؤلف الثالث، طه عبد الرحمن ، فيبدو في كثير من الجوانب على النقيض التام من أدونيس كشخص متدين بعمق وله احترام كبير لتقاليد الإسلام، يرفض التوجه العلماني وحتى الإلحادي لأدونيس. ووفقا للبراديغم المعياري في الفكر العربي المعاصر، يمكن بسهولة تصنيفهما كطرفي نقيض في مشكلة الأصالة والمعاصرة. ومع ذلك، إذا نظرنا إليهما بشكل مختلف، ليس من خلال ميولهما الأيديولوجية، ولكن كمفكرين يمكن قراءة أعمالهما من خلال تصورات الزمن، فإن الصورة تتغير. فكل من أدونيس وطه عبد الرحمن يقترح فهمًا للأصالة والحداثة يتجاوز النموذج التقليدي، مشيرًا إلى أن الأصالة والحداثة ليستا بالضرورة متعارضتين.

بل إن طه عبد الرحمن يذهب للقول أن الأصالة والحداثة قد يُفهمان على أنهما يشيران إلى الشيء نفسه. حجته أن روح الحداثة تكمن في السعي وراء الإبداع الحقيقي، وعلاوة على ذلك، يجادل بأن هذا الإبداع لا يمكن أن يتحقق إلا عندما يكون تفكير الإنسان متجذرًا في لغة وتراث التقليد الذي نشأ فيه ويعيش فيه. وهكذا، إذا كنت تريد أن تكون مبدعًا، يجب أن تكون أصيلًا، بمعنى أن تكون صادقًا مع تراثك. 

وباختصار، يظهر المؤلفون الثلاثة طرقًا مختلفة يمكن من خلالها تحليل الفكر العربي وفقًا لتفاعل تصورات الأصالة والحداثة والزمن، وكذلك يوفر طرقًا لفهم النقاشات بين المثقفين العرب المعاصرين بطرق تتجاوز نموذج الأصالة والمعاصرة. وأعتقد أيضًا أن تصورات الأصالة والزمن – لكونها أساسية لفهم كيفية رؤية الناس في العالم الحديث لأنفسهم وللآخرين ولموقعهم في التاريخ- قد توفر، أساسًا لتفصيل رؤاهم الأخلاقية. ومع ذلك، فإن هذا موضوع يتطلب دراسة أكثر تفصيلا من أجل بيان أبعاده في الفكر العربي المعاصر.

السؤال السابع:

يوسف مدراري: ما هي خططك البحثية بعد هذا الكتاب؟

هارالد فيرسن: الآن وقد اكتمل الكتاب، آمل أن يكون لدي الوقت للتركيز على بعض المشاريع البحثية التي تعتبر تتمة للكتاب. أحد هذه المشاريع يتناول تاريخ المفاهيم، وتحديدًا تاريخ مفهوم الأخلاق في العربية. أثناء كتابة أطروحتي، كنت أمني النفس بوجود تاريخ أكثر شمولًا للمفاهيم في العربية. على سبيل المثال، لعب مفهوم الأصالة دورًا مركزيًا في بحثي، وفي كتابي ناقشت مقالة للناقد الأدبي المصري شكري عياد؛ حيث يقترح سلسلة مثيرة للاهتمام لتطور مصطلح “الأصالة” الذي أصبح مفهومًا محوريًا في الفكر القرن العشرين. ومع ذلك، فإن تأريخه لهذا المصطلح يبقى افتراضيًا وغير مدروس بعمق. أبحاث عبد الله العروي تعتبر أكثر شمولية حول مفاهيم الدولة والعقل والحرية والتاريخ في الأبحاث المكتوبة بالعربية. لكن العروي ليس متخصصًا في هذا المجال، وأبحاثه لا ترتبط بالمناهج النظرية والمنهجية التي تم تطويرها في هذا المجال، وتحليلاته تبقى سطحية إلى حد ما – لأن إجراء بحث شامل لهذه المفاهيم يتطلب جهدًا أكبر مما يمكن لباحث بمفرده أن يتحمله. لكن أجد عمل فهمي جدعان “أُسُس التقدم عند مفكري الإسلام” هو عمل عربي نموذجي في هذا المجال، لكنني لا أعرف الكثير من الأمثلة المشابهة له. 

على أي حال، أعتقد أن ما سيفيد المؤرخين وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلماء السياسة وأي شخص مهتم بشكل خاص بالتاريخ الحديث للعالم العربي هو نظرة عامة حول كيفية تطور المفاهيم الأساسية التي تتأسس عليها الخطابات العربية المعاصرة على مدى القرنين الماضيين. لأنه فقط إذا كانت لدينا فكرة عن كيفية تغير مفاهيم مثل “الدولة”، “الذات”، “الحداثة”، “الأصالة”، “الأخلاق”، وغيرها من المفاهيم.  وأنا مقتنع بأن هذا النوع من التراكم المعرفي سيساعدنا على فهم أفضل لكيفية اشتغال الخطابات السياسية والاجتماعية والفلسفية الحالية، وما هي الخيارات المتاحة لتغيير مسارها المستقبلي. لتحقيق هذا النوع من تاريخ المفاهيم في العربية، سيتطلب ذلك فريقًا دوليًا من الخبراء في مجالات مختلفة، لكنني أعتقد أنه سيكون مشروعًا يستحق العناء، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بتاريخ المفاهيم خارج أوروبا وفي دول الجنوب العالمي. لقد بدأت بالفعل العمل على هذا المشروع، مع التركيز على مفهوم الأخلاق في التعليم الفلسفي، من خلال بعض الأبحاث الحديثة حول كتاب أحمد أمين المؤثر “كتاب الأخلاق”، وانضم إليّ مؤخرًا طالب دكتوراه سيركز على تاريخ مفهوم الأخلاق في العربية خلال السنوات الأربع القادمة. 

أما بالنسبة للمشاريع الأخرى، فأنا ما زلت مهتمًا بالفكر العربي المعاصر، وأنا حاليًا أكتب بعض المقالات حول أعمال طه عبد الرحمن التي صدرت مؤخرا،. لكني أرغب أيضًا في توسيع آفاقي قليلاً بعد التركيز عليه وعلى عدد قليل من المفكرين الذين شكلوا مشروع أطروحتي. لقد كنت أعمل على تطوير بعض وجهات النظر حول تموقع الباحثين الأكاديميين (الغربيين) فيما يتعلق بمناقشات مثل تلك المتعلقة بالفكر العربي المعاصر – وهو موضوع نشأ بشكل جلي من خلال بحوثي الأكاديمية. أخيرًا، كنت أدرّس لعدة سنوات مقررًا تعليميا، حيث أقرأ مع الطلاب كتاب شهاب أحمد المثير للجدل إلى حد ما “ما هو الإسلام؟”. وبناءً على هذه التجربة في تدريس المناقشات الأكاديمية الحالية حول طبيعة الإسلام وتعريفه، كنت أفكر أكثر في العلاقة بين هذا السؤال التعريفي المحدد والمناقشات الفلسفية الأكثر تجريدًا حول المعنى والمعيارية. ربما سيؤدي هذا في النهاية إلى نشر بحث بهذا الخصوص، إذا سمح الوقت، إن شاء الله.


[1]  تحمل عنوان: The Time of Turath: Authenticity and Temporality in Contemporary Arab Thought

مدراري يوسف

باحث مغربي، حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية العليا من دار الحديث الحسنية بالرباط، كان موضوع رسالته للدكتوراه "الاستدلال في علم الكلام الأشعري: دراسة في تلقي المنطق واستثماره في بناء الدليل". ينحصر مجال اهتمامه في تاريخ علم الكلام والمنطق في المجال الإسلامي، كما يهتم الباحث بالترجمة، وقد صدرت له مجموعة من الدراسات والترجمات في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى