المقالات

نظرية العدالة لدى جون راولز

مقدمة

اختلف النظريات الفلسفية في مقارباتها لمفهومي الحرية والمساواة؛ بين اتجاه يدعو إلى تحقيق مساواة شاملة بوصفها مدخلًا لتجاوز التفاوتات الاجتماعية، والحد من أشكال التهميش، ومنع اغتراب الطبقة البروليتارية، واتجاه آخر يتبنى مفهومًا نسبيًا للمساواة يهدف إلى ضمان عدم وقوع الظلم على بعض الأفراد أو الفئات الاجتماعية داخل إطار دولة الرفاه، مع الإقرار بالحرية والملكية الخاصة. في مقابل ذلك، يدافع اتجاه ثالث عن اقتصاد السوق الحرة وعن الملكية الخاصة المطلقة، مع اعطاء الدولة أدوار أكثر لتقليص الفوارق ومنع الظلم.

أخذت نظرية العدالة ابتداء من فلاسفة العقد الاجتماعي إلى الفلاسفة المعاصرين بحثاً واسعاً ضمن فلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية، لخصها فهمي جدعان في ستة مدارس رئيسة، أهمها؛ المدرسة النفعية: وهي تعني باختصار أن السياسة العادلة هي التي تنتج أكبر قدر من السعادة. ومدرسة المساواة الليبيرالية: التي يدافع عنها كل من جون راولز ودوركين وذلك بالتوزيع العادل للخيرات الاجتماعية، بمعنى اعتماد المساواة لكن ليس بإلغاء جميع التفاوتات، لأن بإلغاء كل التفاوتات سيحدث حيف وظلم لأفراد وفئات أخرى.

ومدرسة الليبرتارية أو نظرية الحرية: هي نظرية في الليبيرالية يدافع أصحابها عن السوق الحرة وعن الملكية الخاصة المطلقة دون تدخل الدولة، تعتمد المنافسة المطلقة ودولة الحد الأدنى، فهي تقدم الحرية على المساواة بشكل كبير جداً بدون أي حد أخلاقي ورعاية اجتماعية للدولة، يمثل هذا التيار ميلتون فريدمان وفريدريك فون هايك وروبرت نوزيك. ثم المدرسة الماركسية؛ ترى أن العدالة لا تتوافق مع الملكية الخاصة للأفراد، بل لابد من ضمان المساواة المطلقة. فالذي يمتلك وسائل الإنتاج يمكن له فرض الهيمنة على الطبقات الأخرى، لهذا يجب نزع هذه الوسائل ووضعها في يد الدولة من أجل ضمان كامل للعدالة.[1]

تهدف هذه الورقة إلى فهم نظرية العدالة لدى جون راولز، ومقارنتها بمفهوم العدل والعدالة في السياق العربي والإسلامي، ثم تسليط الضوء على بعض الأطروحات في الفكر العربي المعاصر التي حاولت وضع نظرية في العدالة.

السياق التاريخي لتطور نظرية العدالة

لقد استطاعت الفلسفة منذ بدايتها مع الفلاسفة الطبيعيون واليونانيون تجاوز مفهوم العدل بشكله اللاهوتي وإعادة التفكير فيه من منطق موضوعي واقعي، لقد استطال العقل البشري مع هؤلاء الفلاسفة حسب مقالة كانط “ما التنوير”[2] الخروج من حالة القصور والعجز إلى بداية استخدام العقل وتحقيق التنوير. لهذا كانت بداية البحث في العدالة وشروط تحققها مع الفلاسفة اليونان، مع أفلاطون وأرسطو بالخصوص. وتعد محاورة الجمهورية أول هذه الأعمال التي ناقشت مفهوم العدل. من ذلك أن أفلاطون قسم النفس البشرية إلى؛ شهوانية وغضبية وعاقلة، يرى أن الإنسان فيه جانب من الشر، لهذا لا يمكن أن نعيش في ظل حكم الأفراد ما لم توجد معايير تنظم العدل والعيش المشترك.

شكل إعدام الفيلسوف اليوناني سقراط، نتيجةً لما اعتبر ظلماً وغياباً للعدالة، أحد العوامل الحاسمة التي دفعت تلميذه أفلاطون إلى جعل مسألة العدالة محورًا أساسيًا في فلسفته السياسية. فقد سعى إلى التنظير لدولة مختلفة لا تصدر أحكامًا جائرة بحق الأفراد، بل تقوم على معاقبة المذنب ومكافأة الإنسان الفاضل، بما يضمن اتساق المعايير الأخلاقية والقانونية داخل الدولة والمجتمع.

في قراءة للسياق التاريخي لظهور نظرية العدالة، فإن أمارتيا سين قسم كل هذه المدارس وطرق التفكير في العدالة في اتجاهين كبيرين؛ الاتجاه الأول رائده هو طوماس هوبز، تبعه في ذلك مفكرين كبار من أمثال جون لوك وجون جاك روسو، تتمركز نظريتهم حول تعريف “المؤسسات المافوقية” وهي المؤسسات التي تضمن العدالة للمجتمع، ركزت على ما تراه عدالة كاملة دون الدخول في تفاصيل ونسبية العدل والظلم، ودون تقديم مقارنة فعلية بين المجتمعات المختلفة والبحث عن سبل وامكانيات رفع الظلم ولو بنسب معينة. فالمؤسسات هي نتاج مجتمع له سلوك جمعي وثقافة ومعايير خاصة. لهذا يركز الاتجاه الثاني والتي تعد نظرية أمارتيا سين حول العدالة ضمنه، على المجتمع وخصوصيته وليس الدولة، وامكانيات تحقق العدالة “بحسب ما تتوفر عليه مجتمعات من خصوصية، فما يصلح من عدل لمجتمع قد يكون ظلماً لمجتمع آخر أو أنه يحقق العدل بشكل نسبي”[3]. يحاول في ذلك تجاوز ما سماه “النظريات المثالية” إلى نظريات أكثر واقعية من أجل تحقيق العدالة والتقليل من الظلم ما أمكن.

الفرق بين العدل والعدالة الاجتماعية في السياق الإسلامي

في السياق الإسلامي والعربي ارتبطت العدالة الاجتماعية بمفهوم العدل، والذي يعني “كل فعل حسن يفعله الفاعل لينفعل به غيره”[4]. وارتبط أكثر بصفات الله وأسمائه، كما ارتبط في الغالب بوظيفة القضاء، حيث “أمر الله تعالى بتحقيق العدل في الحكم”. أيضاً مفهوم العدل مختلف عن مفهوم العدالة في الاسلام، “حيث تعني هذه الأخيرة الاستقامة والنزاهة والاستواء والميل إلى الحق وتمثل جملة الفضائل الشرعية واجتناب الأفعال الخسيسة”[5]، كما ارتبطت بالأساس بعلم مصطلح الحديث وأصول الفقه، في التعريف بعدالة الراوي أو عدالة الصحابة في قبول أو رفض الحديث. أما ابن خلدون فقد ربط قيام العمران بتحقق العدالة وأن “الظلم منذر بخراب العمران”.

وفي العصر الحديث، وبتأثر من الفكر الليبيرالي الغربي وبخاصة فلاسفة الأنوار الفرنسيين، ارتبط مفهوم العدل لدى النهضويين العرب بمفهوم الحرية، “حيث احتلت هذه الأخيرة مكانة مركزية لدى المفكرين العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين. واستوى في ذلك المفكرين العرب المسلمون والمسيحيون، من أمثال؛ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وفرح أنطون وشبلي الشميل وأديب إسحاق وسلامة موسى وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين… إذ أشادوا جميعا بالحكم المؤسس على الحكمة والحرية والعدل”[6].

أيضا، من أهم الذين كتبوا في مفهوم العدل والعدالة الاجتماعية وخصصوا لذلك كتبا مستقلة، هو مجيد خدوري، في كتابه “مفهوم العدل في الإسلام“، حيث تناول مفهوم العدل لدى العرب والمسلمين من خلال تتبع مراحل التاريخية ضمن تطور الفكر الإسلامي القديم والحديث، كما أنه سلط الضوء على مفهوم العدل وأشكاله المختلفة، من ذلك؛ العدل السياسي والفلسفي، والأخلاقي والقانوني والاجتماعي. ثم سيد قطب في كتابه “العدالة الاجتماعية في الاسلام“، والذي ساهم في التنظير لمفهوم العدل والعدالة لدى حركات الإسلام السياسي، حيث يشتبك فيه مع الخطابات السائدة آنذاك والمتمثل أساساً في خطاب الاشتراكية والرأسمالية، ثم خطابات الاشتراكية العربية خصوصا الناصرية. يتمثل العدالة بيقظة العقل المسلم الذي في استطاعته تبني الحكم الإلهي كما نزل، إنه يتبنى نفس التعريف للمجتمع بنفس ذلك التقسيم الذي وضعه في كتابه “معالم في الطريق“، بين صنفين من المجتمعات، مجتمع مسلم وآخر جاهلي، المجتمع المسلم هو الذي يحتكم للعدالة الإلهية وهي الحاكمية. فالعدالة الإلهية هي من تصنع المجتمع وليس العكس، حيث “الشريعة هي التي أوجدت هذا المجتمع، وأقامته على أسسه التي أرادها الله لعباده”[7].

إلا أن من أهم الذين كتبوا في الموضوع وحاول انتاج نظرية خاصة بالحقل التداولي العربي والإسلامي، هو المفكر اللبناني فهمي جدعان، وذلك بالاستفادة من النظريات الغربية المعاصرة، وتبيئتها في مجتمعات مسلمة. يعتبر الثقافة العربية بدأت تتجه إلى الاستفادة من الفلسفة النفعية المحققة للسعادة الفردية والجماعية معاً، حيث “منهج التأويل وإعادة قراءة النصوص الدينية انطلاقا من منظور قرآني، قد شق طريقه أيضاً في الفضاءات الفكرية الإسلامية المحلية والكونية. قاصداً إلى تقديم صورة جاذبة للإسلام في عصر الثقافة الكونية والعولمة والذرائعية والمادية النفعية”[8]. يعتمد في ذلك على نظرية المقاصد لدى ابن تيمية، التي تربط تحقق العدل بالشرع والمصلحة والمنفعة، لأنه لا يوجد تعارض بين العقل والنقل، وأنه أينما “وجدت المصلة فثمة شرع الله”. إلا أنه يوجد “فجوة فاصلة بين المنظورين القديم والحديث لمفهوم المصلحة. يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أنّ تلقف المذهب النفعي يحتاج إلى تطوير رؤية مغايرة إلى المصلحة، تحول دون تحوّل المقاصد إلى آلية للتبرير، بدلًا من أن تكون وسيلة لتطوير الشرع، وتحصين مبدئه القائل إنه حيثما كان العدل، فثمّة شرع الله”.[9]

نظرية العدالة لدى جون راولز

لا يكفي أن يتفق كل المواطنين على دفع الظلم ونبذ الإقصاء والتهميش وتحقيق العدالة، بل لابد من نظرية علمية شاملة في فهم العدالة الاجتماعية ومحاولة تحقيقها في إطار الدولة الحديثة. هو ما دفع الفلاسفة والباحثين إلى محاولة فهم مكامن الظلم وإشكالاته، ثم التنظير لطرق تحقيق العدالة والحفاظ عليها، وقبل ذلك توضيع مرتكزات العدالة وأولوياتها من حريات وقدرات وموارد وسعادة وكرامة. لذلك تأتي نظرية جون رولز (John Rawls، 2002-1921) من خلفية فلسفية معاصرة، مستندة على ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية والانسانية من تطور، لتقدم تصوراً واقعياً حول نظرية العدالة.

في هذا الإطار، صدر للفيلسوف جون راولز كتاباً أولياً حول العدالة بعنوان “نظرية في العدالة” سنة 1995، تتلخص نظريته بشكل بسيط في كون “كل الخيرات الاجتماعية الأساسية وهي: الحرية والحظوظ والدخل والثروة ومقومات احترام الفرد لذاته تتم بالتساوي، إلا في حالة يكون فيها توزيع غير متساو لأحد هذه الخيرات، يخدم صالح الشخص الأقل امتيازا من غيره”.[10]  إلا أنه بسبب كثرة الانتقادات التي وجهت إليه أصدر كتاباً آخر أكثر اتساقاً وشمولية بعنوان “العدالة كإنصاف”، وذلك سنة 2001، يوضح فيه جوانب أخرى اجتماعية وسياسية وسيكولوجية مساعدة على تحقيق العدالة في مجتمعات ديمقراطية، أيضا متطلبات العقل العمومي القادر على اختيار تصور للخير العام ومراجعته والتخلي عنه متى تطلب الوضع ذلك، نوع من الادراك للخير يكون مساعداً على استمرار التعاون الاجتماعي. بمعنى وجب على المجتمع الحفاظ على تنوع وتعدد التصورات للخير العام، مع ضمان الحوار المستمر في الفضاء العمومي.

أيضاً صدر له بالموازاة مع ذلك كتاباً سماه “الليبرالية السياسية”، هو محاولة لتجاوز البساطة التي تناول بها المبادئ التأسيسية للمجتمع الليبرالي التي وردت في نظريته، ليقدم حلولاً سياسية ودستورية وديمقراطية للتصورات الخاصة للأفراد حول المنفعة والخير العام وطبيعة العقل العمومي، ثم حاور فيه مجموعة من الفلاسفة الذين انتقدوه مثل يورغن هابرماس. كما طرح فيه نمط جديد من العقل العمومي الليبرالي يتجاوز بذلك العقل العمومي العقلاني لدى هابرماس، لأن المواطنين على الرغم من اختلاف مرجعياتهم الدينية والسياسية قد يتبنون نفس التصور حول الخير العام. “على سبيل المثال، قد يتفق الأشخاص، على الرغم من اختلاف معتقداتهم واختلاف تصورهم للأخلاق، على أخلاقية دفع الأموال للفقراء. وقد يكون مصدر ذلك روح التضامن والأخوة (تصور جمهوري) أو واجب عقيدي (تصور ديني)، أو للحد من ظاهرة السرقة بسبب مجاعة الفقراء (تصور نفعي). ولتجاوز التصرفات الفردية، يحتاج الجميع إلى صوغ مفهوم أخلاقي وإدماجه في تصور سياسي يكون في متناول جميع المواطنين، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو ثقافتهم”[11].

تتلخص نظرية العدالة لدى رولز في مبدأين أساسين يمكن تطبيقها في مجتمع ليبيرالي، أفراده مختلفون حول الخير وحول المثل العليا وحول تمثل السعادة والعيش المشترك؛ مبدأ متعلق بالتساوي في الحرية بحيث تكون الفرص متاحة للجميع، ومبدأ ينظم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة يكون فيها الامتياز للفئات الأكثر هشاشة وفقراً.  فهو لا يؤمن بأن وظيفة الحكومة تنحصر في حفظ واستقرار النظام الاجتماعي، بل تتعداه إلى تحقيق العدل التوزيعي، على نحو يراعي مصلحة الشرائح الأكثر والأشد احتياجًا في المجتمع.

حيث تحقق ظواهر اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية بشرطين أساسين؛ أن اللامساواة يجب أن تتعلق بالوظائف والمراكز التي تكون مفتوحة للجميع في شروط مساواة منصفة بالفرص، وثانيهما يقتضي أن تكون ظواهر اللامساواة محققة أكبر مصلحة لأعضاء المجتمع الذي هم أقل مركزاً، وهذا هو مبدأ الفرق. “يقيم مبدءا العدالة البنية الأساسية وفقا لكيفية تنظيمها حصص المواطنين من المنافع الأولية، هذه الحصص التي حددت بفهرس ملائم، ولنلاحظ أن هذه المنافع الأولية تعطى بالرجوع إلى الملامح الموضوعية للظروف الاجتماعية لدى المواطنين”[12]. حيث تقوم نظرته على مبدأين: مبدأ تكافؤ الفرص: يجب أن تكون هناك فرص متكافئة للجميع في المنافسة على المناصب والمكاسب. ومبدأ الاختلاف: لا يُقبل بعدم المساواة في الفرص إلا إذا كان لصالح الفئات الأكثر حرماناً في المجتمع.

أما فيما يخص الحريات والحقوق الأساسية التي يؤكدها المبدأ الأول فهي حرية التفكير، حرية الضمير، والحريات السياسية، حق إنشاء الجمعيات… وتلك الحقوق والحريات المحددة بحرية وكرامة الشخص (الجسدية والنفسية)، وأخيراً الحقوق والحريات التي يعطيها “حكم القانون”، بحيث أن التعيين للحريات والحقوق الأساسية يعني عدم إطلاقها كما يعني وجوب قدر من التدخل من الدولة الليبرالية.   

      تقوم الدولة لدى جون راولز على ما أقره من مبادئ للعدالة الاجتماعية، حيث هي دولة اجتماعية تُحكم بمبادئ العدالة التي تضمن المساواة والحرية الأساسية للجميع، مع السماح ببعض التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية شريطة أن تعود بالنفع على الأقل حظًا في المجتمع. جاء نظرية العدالة لجون راولز لتطبق في دولة ليبرالية تعتمد حكم الأغلبية لكن دون الإضرار بحقوق الأقلية، وذلك لحماية الجماعات الأقلية من الظلم التي يسلط عليها من طرف الأنظمة الأحادية، فهي تهدف إلى حماية الجماعات الضعيفة في الدول من الظلم والاقصاء الذي يمكن أن يلحق بها.  

      هي نظرية تهدف إلى حماية الجماعات الضعيفة في الدول من الظلم والاقصاء الذي يمكن أن يلحق بها. بمعنى أنه أحيانا يجب التمييز في الحقوق، حيث تقوم نظريات التعددية الثقافية على الحفاظ على التنوع الثقافي والفكري، وعلى الاعتراف بالتعددية الثقافية وإفساح المجال أمامها للمشاركة في بناء المجتمع وتحقيق التنمية، تتمثل في التسامح مع الثقافات والأفكار المختلفة والاعتراف بالهويات والخصوصيات والاختلافات ضمن، بدل فرض التهميش والإقصاء والهيمنة. كما تستفيد من قدرات ومهارات الفئة الهشة من أجل ادماجها في التنمية. حيث إذن كانت بعض الأشكال من اللامساواة لا تتعارض مع المصلحة العامة ومع حقوق الأغلبية، تساهم في تطوير للمواهب وللطاقات الاجتماعية النافعة، فهي مهمة في تحقيق الاندماج للفئات الأكثر هشاشة.

إن الدولة الاجتماعية هي دولة ليبرالية ديمقراطية بالأساس، تحاول تقليص الفوارق بين الفئات الاجتماعية وتدعم الفئات الأكثر فقراً وهشاشة. حيث تقوم على حماية فئات اجتماعية يتطلب وضعها الصحي أو المالي أو الاجتماعي الهش تدخل الدولة لتوفير العناية اللازمة لها. وبصفة عامة تهدف الدولة الاجتماعية، من خلال الحماية الاجتماعية وتنظيم سوق الشغل وتحسين المرافق العامة حماية الفئات الاجتماعية المستقرة خصوصا الطبقة المتوسطة، ثم ضمان العيش الكريم للفئات الأكثر هشاشة بتوفير مؤسسات للتضامن الاجتماعي.

خاتمة

إن التصور العام للعدالة لدى رولز يتمثل في فكرة أساسيّة مؤدّاها أنّه يجب أن توزّع كلّ الخيرات الاجتماعية الأصلية مثل الحرية والحظوظ، والدخل والثروة، وأسس تقدير الإنسان لذاته بالتساوي، والذي يعني تقديم تعليم جيد لكل المواطنين يتجاوز درجات العجز، وينتج قدرات وطاقات مساعدة على التنمية، وتحقيق رعاية اجتماعية تضمن تحقيق القدر الكافي من العقل العمومي. تعترف نظرية راولز بالملكية الخاصة، تكون الحرية سابقة على المساواة في الحظوظ والمساواة في الثروة، إلا أنه هذا التفاوت لا يكون مقبولا إلاّ إذا استفاد منه من هم الأقل حظاً من غيرهم، بمعنى أن الدولة تضع قوانين ومؤسسات وتوفر بيئة اجتماعية قادرة على ضمان حقوق الأقليات والفئة الضعيفة.

في هذا السياق، تُفيدنا السوسيولوجيا من تحليل تمثلات المواطنين العرب والمسلمين لمفاهيم العدل والعدالة، والكشف عن أنساقهم القيمية والمعيارية المرتبطة بهذين المفهومين. كما تتيح دراسة مدى انسجام تصوراتهم للخير والعدالة مع النظريات الحديثة في العدالة الاجتماعية. ويتضمن ذلك فحص الكيفية التي يُؤوَّل بها الفقر: هل يُنظر إليه بوصفه ابتلاءً لاهوتيًا وقضاءً وقدرًا، أم نتيجة لندرة الموارد، أم تعبيرًا عن اختلال في آليات التوزيع العادل للثروة. إضافة إلى ذلك، تسهم المقاربة السوسيولوجية في فهم تمثل العدالة السياسية لدى الأفراد، سواء من خلال القبول بفكرة “السلطان المستبد العادل”، أو من خلال تبني تصور حديث يقوم على المساواة في الحقوق وتقليص الفوارق الاجتماعية في إطار دولة جميع المواطنين.

المراجع:

  • جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى بيروت 2009.
  • جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، منشورات الهيئى العامة السورية 2011.
  • فهمي جدعان، تحرير الإسلام وسائل زمن التحولات، الشبكة العربية للأبحاث، ط 1، 2014 بيروت.
  • أمارتيا سين، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي، الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة الأولى.
  • الجرجاني، الشريف، كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية: بيروت – لبنان، الطبعة الأولى.
  • سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق 1990.
  • الزواوي بوغورة، خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية لنماذج أيديولوجية ونظرية، دورية تبين، العدد 47، 2023.
  • ساري حنفي، نحو علم اجتماع حواري، مجلة عمران، العدد 46، خريف 2023.
  • نبيل فازيو، العدل وأزمة “النظرية السياسية” في الفكر السياسي العربي المعاصر: في الحاجة إلى التسويغ، دورية سياسيات عربية، العدد 74-المجلد 13-ماي 2025،
  • إيمانويل كانط، الإجابة على سؤال: ما هو التنوير؟ مؤسسة الهنداوي.

[1] -فهمي جدعان، تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، بيروت 2014، ص 136 إلى 142.

[2] -إيمانويل كانط، الإجابة على سؤال: ما هو التنوير؟ مؤسسة الهنداوي، أنظر الرابط:

https://www.hindawi.org/books/52615163/13

[3]  -أمارتيا سين، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي، الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة الأولى 2012، ص 41-43.

[4] -الجرجاني، الشريف، كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية: بيروت – لبنان، ط1، ص 115 الى 116

[5] -نفسه، ص 152.

[6] -الزواوي بوغورة، خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية لنماذج أيديولوجية ونظرية، دورية تبين، العدد 47، 2023، ص 91.

[7] -سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق 1990. ص 54.

[8] -جدعان، م س، ص 103.

[9] -نبيل فازيو، العدل وأزمة “النظرية السياسية” في الفكر السياسي العربي المعاصر: في الحاجة إلى التسويغ، دورية سياسيات عربية، العدد 74-المجلد 13-ماي 2025، ص 45.

[10] جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، منشورات الهيئة العامة السورية 2011، ص 95.

[11] -ساري حنفي، نحو علم اجتماع حواري، مجلة عمران، العدد 46، خريف 2023، ص 14-15.

[12] -جون راولز، العدالة كإنصاف، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2009، ص 173.

عبد الرحيم بودلال

باحث في علم الاجتماع، له مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة. شارك في عدة من الندوات والورشات داخل المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى