الدراسات

تنامي اليمين المتطرف الأمريكي وتداعيات ذلك على العالم الإسلامي

أولا: مسببات صعود اليمين المتطرف الأمريكي والسياق الدولي الجديد

شكّل فوز الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والمحسوب سياسيا على ما بات يعرف باليمين المتطرف، ثورة سياسية تاريخية هزّت العالم وقلبت معايير العمل السياسي الدولي رأسا على عقب، وغيّرت معها مجريات الأزمات الدولية الحادة. على المستوى الداخلي الأمريكي، نُظر لصعود ترامب واليمين المتطرف عموما بنوع من الاندهاش والاحساس بالخطورة خصوصا لدى الحزب الديمقراطي والليبراليين عموما، وكدا لدى الجمهوريين على السواء. فلم تكن هذه القوى التقليدية تتوقع أن يحصد ترامب على هذه النتائج خصوصا أن النظام الاقتراعي الأمريكي كثير التعقيد والشفافية بالشكل الذي يصعب معه استغلال النفوذ أو اللوبيات للضغط على الناخب والوصول للسلطة، فهو نظام تُفرز فيه السلطة النهائية بكثير من التمثيل الواسع والفرز الدقيق في ولايات ضخمة وكثيرة السكان. ذلك أن طبيعة النظام الديمقراطي المتبع في الولايات الأمريكية يحاكي نموذج الديمقراطية المباشرة، وهو النموذج الذي أشاد به كثيرا منظر الديمقراطية الأول الفرنسي اليكسيس دي توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أمريكا”[1]، باعتباره النمط الأكثر قربا من رغبات المواطنين والأوسع تمثيلا.  

وبسبب قوة وصعوبة نظام الاقتراع ونمط السياسية الديمقراطية في أمريكا، فلقد اعتقدت القوى التقليدية ومعها الناخب الليبرالي الأمريكي أن الخطاب اليميني المتطرف والشعبوي لن يجد له قدما في الساحة السياسية الأمريكية، خصوصا أن تاريخ الديمقراطية الأمريكية أُسس على قيم الحرية والديمقراطية باعتبارها قيم تمثل هوية أمريكا الجديدة التي يعتز بها كل أمريكي، وهي نفس القيم التي يرفضها ويغتالها الخطاب الشعبوي الأمريكي بزعامة دونالد ترامب باعتباره أول يميني متطرف وشعبوي يعتلي عرش الرئاسة الأمريكية. أما على المستوى الخارجي، فقد رأى البعض في صعود ترامب تهديدا للوجود الأجنبي وللمهاجرين والطوائف الدينية وأصحاب المصالح المختلفة الذين ينتعشون مع حكم القوى التقليدية في الحكم سواء الديمقراطيون أو الجمهوريون. فيما استشرف البعض الاَخر إمكانية فتح صفحات جديدة مع الجالس الجديد على رأس الدولة، خصوصا فيما يتعلق بمناطق النزاع الدولية التي أدارت إدارة أوباما ظهرها اتجاهها وانتهجت سياسة انعزالية أدّت إلى انتعاش التيارات المتطرفة والجماعات الإرهابية، وهي الجماعات التي يريد ترامب القضاء عليها.

تؤشر كل هذه المعطيات السالفة الذكر إلى استحالة تنامي خط يميني شعبوي راديكالي في أمريكا، لاعتبارات تاريخية وسياسية وحتى اقتصادية، خلافا للظروف السياسية والثقافية والاقتصادي في أوروبا والتي أفرزت تيارا يمينيا متصاعدا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن الطلب الاجتماعي على تبني قيم راديكالية من مواضيع الهجرة والعولمة والنظام المالي العالمي والصراع الثقافي والهوياتي، جعل شروط نشأة وصعود التيارات اليمينية المتطرفة متوفرة، ومنها الشروط التالية: أولا، تصاعد معدلات الهجرة وطلب اللجوء والنازحين من مناطق النزاعات، ثم تنامي الحقد الاجتماعي على النخب الحزبية التقليدية وعلى اللعبة السياسية عموما، وانهيار الطبقة الاجتماعية التقليدية لصالح ظهور طبقات جديدة، وتنامي الحقد الثقافي على القيم الرأسمالية والعولمة، ثم تصدع نموذج دولة الرعاية الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع تأمين العمل المستدام.[2] لقد اجتمعت هذه العوامل في الفضاء الاجتماعي والثقافي الأمريكي ليؤجج الطلب العام على تبني قيم التطرف اليميني كرد فعل ضد تلاشي المكتسبات التقليدية للطبقات الاجتماعية، وكانعكاس أيضا على حالة الخوف من الأجنبي ومن تصدير الأزمات الإقليمية والدولية التي تشهدها مناطق متعددة كمناطق الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.

إذا كان الطلب العام على تبني أفكار وقيم اليمين المتطرف قد ازداد واتخذ طابعا سياسيا وهو ما ظهر في فوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن لهذا الطلب محفزات اقتصادية واجتماعية وثقافية أيضا ساهمت كلها في تشكّل الطلب العام في صيغته النهائية على الأقل، دون أن تشكل هوية عامة أو رغبة مجتمعية شاملة. ومن أجل تشريح طبيعة هذا الطلب، سنقوم بعرض تلك المحفزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تشكل الوعي اليميني في السياق الأمريكي.

أولا: المحفزات السياسية:

لا يمتد اليمين المتطرف الأمريكي في التاريخ البعيد، بمعنى ليست له جذور عميقة في التاريخ مثلما يحدث مع اليمين الأوروبي الممتد تاريخيا إلى الحرب العالمية الأولى أو أكثر، لكن من دون أن ننفي وجود علاقة وطيدة بين التيارين المتباعدين جغرافيا والمتحدين أيديولوجيا. لذلك ربما يمكن البدء في تأريخ الظاهرة اليمينية المتطرفة في أمريكا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001، وتداعياتها المتسلسلة فيما بعد، وصولا إلى انتخاب أول رئيس يميني شعبوي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. فلقد أدت تلك الأحداث الإرهابية إلى تغيّر الوعي العمومي الأمريكي اتجاه قضايا كان يعتبرها من القضايا الهامشية، كقضايا الهجرة والسلم الاجتماعي والصراع الطبقي وغيرها، بل أصبح اتخاذ قرار سياسي متطرف من السهولة بمكان بعد هذه الأحداث؛ حيث استطاع الرئيس بوش الإبن ومعه الإدارة المركزية اتخاذ قرار شن الحرب العسكرية المباشرة على بلدين أجنبيين (أفغانستان والعراق) بكل سهولة وفي ظرفية وجيزة، وهو قرار حساس وله عواقب استراتيجية في أدبيات العلاقات الدولية. لقد استطاعت الإدارة الأمريكية في عهد بوش الإبن صناعة أطروحة ما بات يسمى ب”الإرهاب” باعتبارها غطاء سياسي لاتخاذ قرارات أمنية قد تحد من الحريات، وقد تخرق المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان، بل وقد تجتاح بلدان باسم محاربة الإرهاب، وهو ما حدث فعلا سنتي 2001 و2003. والملفت للنظر أن نشر وتدوير هذه الأطروحة في القنوات السياسية والإعلامية الأمريكية ساهم في عولمتها واتخاذها مطية للعديد من القرارات اللاديمقراطية؛ فلقد انتشرت إصلاحات تشريعية وقانونية في عدد من مناطق العالم حيث كان هدفها: توسيع صلاحيات السلطة على حساب حقوق الإنسان، تزايد معدلات العقوبات، تمييع شروط التحقق من الأدلة، تبخيس قوة الدفاع المدني، والتحكم في التشريع وسن القوانين[3].

تنامت معدلات المد القومي بعد هذه الأحداث في أمريكا بشكل ملفت؛ حيث أصبح رائجا في دوائر القرار السياسي أطروحة التدخل العسكري الخارجي من أجل تأمين الأمن القومي الأمريكي ولو كان ذلك في مناطق بعيدة جدا. ذلك أنه –حسب هذه الأطروحة- لم تعد الحدود الجغرافية التقليدية حاجزا قويا أمام أي اعتداء على الأمن الداخلي الأمريكي، بل أصبحت حركة التنقل الحرة للأشخاص والبضائع عاملا مسهلا لوصول الأشخاص والبضائع المهددة للأمن الداخلي. وهنا يدخل عامل مهم اَخر أحدث شرخا في السياسة الأمريكية وساعد على تنامي المد اليميني المتطرف؛ إذ هوجمت السياسة الليبرالية والمذهب الليبرالي عموما في أمريكا إثر تزايد التخوف من عواقب سياسات السوق المفتوحة والتي أصبح يُنظر لها ولأول مرة في تاريخ أمريكا على أنها مهدد حقيقي للأمن القومي الأمريكي. وبسبب هذا التخوف، تنامى مذهب ما بات يعرف ب” نظرية السياسة الجديدة[4]” Theory of new Politic، والذي وجد فيه الخط الثالث الجديد نفسا ودعما أيديولوجيا من دون أن يتوافق معه فلسفيا على الأقل. يبحث التوجه اليميني الراديكالي الأمريكي عن أية أيديولوجيا أو سياسة متطرفة قد توافق أجندته الظرفية فيؤججها ويستغلها من دون أن يتوافق معها في الرؤيا والأفق، وهذه هي أحد أهم الأسباب التي تجعل المحللين يصفون هذا الخط بالشعبوية. فهذه الأخير تعني أن الأيديولوجيا اليمينية الراديكالية لم تُفرز نتيجة تراكمات نظرية وأيديولوجية، ولا تملك رؤية استراتيجية، وإنما هي خليط هجين من الموافق المتباينة والمتناقضة في أحايين أخرى.

ثانيا : المحفزات الاقتصادية

اعتبرت الأزمة المالية لسنة 2008 أحد أهم المحفزات الاقتصادية لتنامي اليمين المتطرف الأمريكي؛ فلقد أحدثت هذه الهزة المالية والاقتصادية ضجة كبيرة في أوساط الأكاديميين الأمريكيين والعالميين من ناحية نقاشهم لعيوب النظرية الرأسمالية ومرجعيتها الفلسفية الليبرالية[5]. إذ أتجت هذه النقاشات الشديدة اللهجة، ما بين المعسكر الليبرالي والمعسكر اليميني التقليدي واليسار الجديد، الملفات الحساسة للتداول العمومي؛ حيث برزت مجددا قضايا العولمة الاقتصادية، وهشاشة النظام الرأسمالي، وكدا أدوار الدولة في توجيه الاقتصاد من عدمه. ولقد توجت هذه النقاشات باستصدار كتاب “الرأسمال في القرن الوحد والعشرين” للأكاديمي الفرنسي “توماس بيكيتي” والذي لاقى رواجا أكاديميا وعموميا لافتا في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية. إذ اعتبر كتابا يحاكي قوة كتاب ماركس “الرأسمال”، في جدة الأطروحة التي قدّمها وفي حساسية القضايا التي تناولها، لكن من دون أن يقدم بديلا قويا وأطروحة بديلة للأطروحة التي ينتقدها.

أخذ الخطاب اليميني المتطرف في أمريكا هذه النقاشات وركّبها في صيغة أيديولوجيا سريعة التكوين، إذ روّج هذا الخطاب لفكرة أن الطبقة العاملة الأمريكية تضررت كثيرا من السياسات الليبرالية على حساب استفادت الطبقة المتوسطة، وقد استطاع دونالد ترامب بالفعل استمالت الطبقة العاملة في الانتخابات الرئاسية وخصوصا تلك المنتمية تقليديا لمعاقل الديمقراطيين، والمتضررة اقتصاديا من التجارة الحرة والعولمة ومن نقل مناطق صناعية تقليدية إلى دول ذات العمالة الرخيصة[6]. ولم يستمل فقط العمالة من العرق الأبيض، بل أيضا تلك المنتمية للأصول السوداء رغم عنصرية الخطاب اليميني اتجاه السود باعتبارهم مهاجرين من أصول إفريقية وبكونهم يمثلون عرقا منافسا للعرق الأبيض البروتستانتي. ولمحاولة تقديم بديل اقتصادي، يحاول اليمين الأمريكي تطبيق سياسة اقتصادية حمائية تعيد للدولة قوتها في السيطرة وتوجيه الاقتصاد، وأيضا عبر حماية الأسواق الوطنية الأمريكية، وكدا حماية الطبقات العاملة المتضررة من قوانين السوق الحرة وتبعاتها الاقتصادية خصوصا فيما يتعلق بالبحث الدائم عن عمالة رخيصة ومتعددة التخصصات. لكن ومن جهة أخرى، فإن الخطاب اليميني لا يتبع سياسة اجتماعية لحماية هذه الطبقة عكس نموذج دولة الرفاه الاجتماعي رغم أنها تدعي الدفاع عن الطبقة العاملة، وهو الخطاب الظاهر في حملة دونالد ترامب عندما انتقد بشدة مشروع “أوباما كيير”، حيث نعثه بكونه يمول الكسالى من جيوب دافعي الضرائب. إننا هنا أمام وجه اَخر من أوجه التناقض الأيديولوجي في خطاب اليمين المتطرف الأمريكي، فهو يدّعي الدفاع عن الطبقة العاملة المتضررة من السياسات الليبرالية فقط لأنه يعادي الأجانب المستفيدين من انفتاح الاقتصاد الأمريكي على العالم، من دون أن يتبنّى سياسة اجتماعية حمائية كما عند اليسار الاشتراكي.  

ثالثا: المحفزات الاجتماعية والثقافية

وتمثل هذه المحفزات أحد الأسباب الرئيسية في ظهور وصعود الفكر اليميني الراديكالي في أمريكا، كما في باقي ربوع أوروبا؛ فلقد أدى ظهور طبقات اجتماعية جديدة نتيجة إضعاف الطبقات التقليدية سواء المتوسطة أو العاملة، إلى تنامي ثقافة انتقامية وراديكالية ترجع فشلها الاجتماعي إلى النظام الرأسمالي والتقليدي معا. ونتيجة لذلك فقد ظهر نوع من الصراع الثقافي بين القطبيين السياسيين التقليدين؛ الأول تمثله الفئات اللبرالية من الطبقات الوسطى (التجار والأكاديميين والتقنوقراط) والمستفيدة من العولمة والتجارة الحرة، والثانية تمثله الطبقات العاملة ذات الثقافة التقليدية والمحافظة والمستقرة أحيانا في الأرياف وضواحي المدن والناقمة على النموذج الحضري للمدن باعتبارها تمثل ثقافة منحلة أخلاقيا[7]. لكن المثير للانتباه هو تنامي طبقة جديدة تلتقي مع الطبقتين معا من ناحية تضررهما الاقتصادي والاجتماعي، مع اختلافها معهما معا من ناحية نموذج عيشهم وكدا نظرتهم للقضايا المجتمعية الشائكة. إن الطبقة اليمينية الجديدة تجمع هذه التناقضات معا، فهي تعتز بالانتماء العرقي الأبيض والديني البروتستاني (كما عند الطبقة المتوسطة)، وتؤمن بالحمائية والانكماشية الثقافية والاجتماعية كما عند الطبقة التقليدية المحافظة، لذلك انعكس هذا الخط الثالث في السياسة وافرز نموذجا هجينا من الأيديولوجيا اليمينية الراديكالية.

تأسس الخطاب اليميني الراديكالي نتيجة تداعيات الصراعات القائمة حول سياسات الهوية؛ فلقد انتقل الصراع الأيديولوجي والذي اكتسى صبغة سياسية واقتصادية، إلى صراع هويات متناقضة تماما: تمثل الأولى هوية الفردانية ذات النزعة الليبرالية والتي افرزتها الحداثة والعولمة وقيم الرأسمالية الحديثة، فيما تمثل الثانية هوية الجماعة ذات التوجه الاشتراكي وقيم الشمولية. لقد ظهرت مشكلة سياسات الهوية ابتداء من سنة 1960 في أوروبا، عندما برزت إلى السطح هويات جماعية كانت هامشية ومهمشة وفي كثير من الأحيان كانت مضطهدة من قبل الثقافات المهيمنة المتمثلة في الأيديولوجية الليبرالية واليسارية على السواء[8]. ثم تنامت هذه الهويات وبرزت خصوصا في أواخر القرن العشرين مع تحرر المجتمعات واتساع رقعة الحريات الفردية وتطور التشريع الحقوقي الضامن لهذه الهويات. إن صراع الهويات هذا لم يبقى حبيس المجتمع الأمريكي فحسب، وإنما تعداه إلى العالم الخارجي واكتسى صبغة صراع ثقافات بين ثقافة الحرية كما يعتقد اليمين المتطرف، وبين ثقافة الظلام والرجعية كما يراها في ثقافات الشرق وبين مواطني أمريكا أنفسهم المنحدرين من الثقافات الافريقية أو الشرقية.

ساعدت عدة عوامل دولية في تنشيط الأيديولوجيا اليمينية الراديكالية، واعتلائها صدارة الانتخابات والتدبير السياسي في أمريكا. فلقد تغيّر النظام الدولي وتغيرت معه العلاقات الاستراتيجية وأصبح العالم كله يعيش على قوانين استثنائية بعدما أصبح الإرهاب تهديدا دوليا عابرا للقارات. فمنذ العام 2001، شهد العالم أكبر ثورة سياسية عالمية عندما تبنت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة أحادية في اتخاذ قرار عسكري حساس جدا من دون الاكتراث للمنتظم الدولي وتجاوزا للمؤسسات الدولية، حيث قامت بضرب أفغانستان والعراق وأدت العملية إلى نشوب حروب أهلية وإقليمية مازالت اَثارها سارية المفعول. وبحلول سنة 2008، حدثت هزمة مالية جديدة مماثلة للهزة المالية لسنة 1929؛ فلقد أربكت النظام الدولي وافقدت الثقة في المؤسسات المالية الدولية وفي النظام الدولي. وبصعود الصين وروسيا وبعض دول أمريكا اللاتينية كقوى اقتصادية جديدة، أصبح العالم يراهن على نظام عالمي جديد متجاوز للأحادية الأمريكية وللقطبية التقليدية ما بين أمريكا وروسيا. سيؤدي تعاظم هذه القوى إلى محاولات إنشاء أنظمة مالية واقتصادية جديدة وإلى منافسة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل جلي في أهم القضايا والنزاعات الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية لأمريكا وباقي الدول. وجد اليمين المتطرف الجديد في هذه المتغيرات الدولية تهديدا حقيقيا للأمن القومي وللوجود الأمريكي معا، واستعاد شعار “لنجعلها عظيمة مجددا” في إشارة لتلاشي عظمة أمريكا كقوى أحادية وفريدة في العالم.

ثانيا: مميزات وخصائص اليمين المتطرف الأمريكي

تشترك التيارات اليمينية المتطرفة الصاعدة في أمريكا مع نظيراتها في السياق الأوروبية من ناحية الخصائص الأيديولوجية المميزة لهذا التوجه الصاعد؛ فهي إلى جانب كونها تتميز بالعنف في سياساتها وعلاقاتها مع الاَخر، فإنها تتميز بأربع خصائص كبرى تختلف حدتها حسب الظروف السياسية والثقافية: فهي تعادي الديمقراطية ومنتجاتها خصوصا في الدول التي تستقبل المهاجرين والذين قد يصلون إلى مراكز القرار، وتتميز بقوميتها من ناحية دفاعها العنيف على الأرض والعرق واللغة الوطنية، كما تتميز أيضا بالعنصرية اتجاه الاَخر خصوصا المهاجرين والنازحين وطالبي اللجوء الذين يجدون ملجأ تشريعيا في هذه البلدان والذي يتيح لهم إمكانية العيش والتمتع بنفس حقوق السكان الأصليين، وهي أيضا قوى تؤمن بأطروحة الدولة القوية وتدخلها في الشأن الاقتصادي والقومي الوطني بالشكل الذي تعيدنا هذه الأيديولوجيا إلى نموذج الدولة القومية الشمولية[9].

تمثل الشعبوية (Populism)، أحد الخصائص المهمة المميزة لليمين المتطرف الجديد باعتبارها أيديولوجيا تعود فلسفيا إلى أطروحة الشعب الجيد، وحيث يشكل الشعب تلك الوحدة الاجتماعية المتجانسة والمجتمع الفاضل والتي اعتبرها عالم الاجتماع البريطاني زاغمونت باوم تتميز بالثقة بين مكوناتها[10]. لكن طبعا، وقع تحريف للمصطلح لدى اليمين الراديكالي لكونه يزاوج بين أيديولوجيات وأفكار هجينة ولا تتميز بالثبات والقوة في الطرح والتناسق من حيث الاستدلال والبرهنة، وهي بهذه الطريقة أقرب إلى الفلسفات البراغماتية والواقعية وأبعد منها في نفس الوقت؛ فهي خليط هجين لا يضع أهمية للشعب في سياساته إلى عندما يتعلق الأمر بشعب ينتمي إلى نفس الجماعة ويحمل نفس خصائصها العرقية والدينية والأيديولوجية. كما يشترك أيضا اليمين الراديكالي سواء الأوروبي أو الأمريكي في عدائه للنخب السياسية والمؤسسات خصوصا لغة اللياقة ولغة البروتوكولات السياسية، وفي عدائها للعولمة والتجارة الحرة، وفي عدائها للهجرة والمهاجرين، وفي تأجيجها للمشاعر القومية النابعة من الخوف على الهوية الوطنية والقومية، ثم في عدائها للمسلمين والاسلاموفوبيا[11].  

لكن، وبتحليل للخطاب اليميني المتطرف الأمريكي خصوصا لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتبين لنا أن هذا الخطاب يستلهم من خطاب وسياسة اليمين الراديكالي الأوروبي نفس المواقف والرؤى فيما يتعلق خصوصا بقضايا الهجرة وطرد الأجانب ومعاداة النظام الرأسمالي والمؤسسات الدولية[12]. فلقد عبّر صراحة الرئيس ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي خطاباته عن تأييده لمواقف اليمين المتطرف الأوروبي وعن سعادته لتحقيق هذا التيار لإنجازات انتخابية مهمة بعد صعوده المثير في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة. كما أيّد صراحة قرارات باقي الدول الأوروبية بخصوص منعهم لدخول النازحين السوريين من الحرب في سوريا، بل قام بسن قرار مماثل عندما أصدر قرارا رئاسيا بمنع سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وهو القرار الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية لتناقضه مع قيم ومصالح أمريكا مع الدول المعنية. لكن المحللين لخطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استجمعوا مكوناته وايديولوجيته ونحتوا مصطلح “الترامبيزم” Trumpism للدلالة على الخط اليميني المتطرف بقيادة دونالد ترامب، وللتمييز بينه وبين نظيره الأوروبي، ويمكن استحضار أهم خصائص هذا الخطاب في النقاط التالية:

أولا: العدمية  

وتتمثل هذه العدمية السياسية، في وصف الرئيس دونالد ترامب للمستوى السياسي والاقتصادي والاستراتيجي والعسكري الأمريكي بالانحدار والتدهور لافتا الانتباه إلى فترة حكم الرئيس الأسبق أوباما. مع أن المؤشرات الاقتصادي تدل على تحسن الاقتصاد في عهد أوباما؛ فلقد انخفض معدل البطالة إلى النصف (من 10 في المئة سنة 2009 إلى 5 في المئة سنة2016)، وتحسن العلاقات الخارجية للبلاد، لكن ترامب يرى في الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعتها البلاد بالكارثية (الاتفاق النووي الإيراني، السياسة الجديدة اتجاه كوبا، مشروع أوباما كير)، وقال إن مناصريه يريدون قائدا ينسف كل تلك المشاريع و يرمي بها إلى الجحيم[13].   

ثانيا: الحمائية

بسبب نظرته السوداء لحال البلاد الاقتصادية والسياسية، وتخوفه بل وعدائه للأجانب والمهاجرين ثم لمنظومة النظام الدولي، يلتجئ اليمين المتطرف الأمريكي إلى اعتماد النموذج الحمائي في السياسة والاقتصاد؛ بحيث يرى دونالد ترامب أن الطبقة العاملة الأمريكية متضررة من المعاهدات الحرة المبرمة مع العالم الخارجي خصوصا مع الصين وكندا والمكسيك، واقترح بذلك وكإجراء وقائي فرض ضرائب على الصادرات الأمريكية بقيمة 45 في المئة. وطبعا فإن هذه الخطوة تضرب في العمق نظام المبادلات الحرة وقوانين اقتصاد السوق الذي سنّته الولايات المتحدة الأمريكية وأقرّته نظاما علميا في جميع علاقاتها الاقتصادية العالمية.

ثالثا: الأصولية

ونعني بها ذلك الشعور الفارط بالتميز وبأحقية وأصالة عرق ونسب على الأخرين؛ فاليمين المتطرف الأمريكي يفتخر بالعرق الأبيض صاحب الأرض والمتنور وذو الأصول الأوروبية، مع تهميشه للعناصر الإثنية الأخرى كالسود واللاتينيين خصوصا وأن المعطيات الديمغرافية تشير إلى وصول مليون مهاجر كل سنة إلى أمريكا، وأن الجالية اللاتينية ستكون الأكثر تمثيلا بحلول سنة 2024. تثير كل هذه المعطيات الديمغرافية مخاوف اليمين الراديكالي، وتزداد عندما يتم تجييش صراع الثقافات بين أنصاره، فيتم تحميل المسؤولية للنظام السياسي وللقوانين الديمقراطية التي تساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن جنسياتهم وألوانهم وأعراقهم. لذلك تلتجأ هذه الأصولية المتطرفة إلى نسف المؤسسات وتهميش القوانين الديمقراطية وسن أخرى شعبوية لا تحمل غي نفس ديمقراطي ولا تتجذر في تشريع قانوني قوي.   

رابعا: الشعبوية

قلنا سالفا أن الشعبوية هي أهم ما يميز الخطاب اليميني المتطرف، وباعتبارها خطابا سياسيا يسعى إلى استمالة الأصوات السياسية المهمشة من الطبقات الشعبية العمالية بالخصوص، فإنها تستعمل لغة سياسية بسيطة ومفهومة ولا تحتمل التأويل والتأويل المضاد، عكس لغة البروتوكولات واللياقة التقليدية. وباعتبارها كذلك، فإن الشعبوية في الخطاب لا تبحث عن استمالة النخب والطبقات المتعلمة، كما أن الشعبويين غالبا ما يكونون من دوي الشهادات التعليمية البسيطة. لكن اليمين المتطرف في أمريكا وكما في أوروبا عموما، يقدم نفسه على أنه خط ثالث بين الأيديولوجية الليبرالية والمحافظة، تماما كما يقدم ما يسمى باليسار الراديكالي الجديد نفسه كخط ثالث ما بين يسار الليبرالية ويسار اليمينيين[14].

خامسا: القومية

لا تمثل قومية اليمين المتطرف، كما مع مفهوم الشعبوية والأصولية وغيرها من المصطلحات، القومية الوطنية ذات البعد الأيديولوجي الديمقراطي، وإنما هي قومية الإنسان الأبيض الذي يقدم نفسه كمنقذ للأمة بعدما سقطت في الهاوية. ويعتبر شعار ” لنجعلها عظيمة مجددا” لافتة أيديولوجية شعبوية تحوي خطابا ديماغوجيا بعيدا كل البعد عن أدبيات العمل السياسي الذي يقدم برامج موضوعية وواضحة وقابلة للقياس والمحاسبة. في حين يلعب خطاب دونالد ترامب على الضبابية في الخطاب، وعلى تعويم الخطاب السياسي التقليدي وإفراغه من ضوابطه المتعارف عليها والتي تُدرّس في المعاهد المدارس الديبلوماسية.

بدأت إذن الأيديولوجيا اليمينية المتطرف في التنامي مع تغيّر المنظومة السياسية العالمية، حيث تزحزحت القوى الامبريالية التقليدية وظهرت بمحاذاتها قوى عالمية صاعدة أصبحت تشكل تحديا لها، كما أدت الأزمات المالية والاقتصادية والعسكرية الأخيرة إلى شعور الشعوب الخوف والاشمئزاز وعدم الاَمان مع توالي هذه الأزمات. شكلّت هذه الأحداث أرضية خصبة لتنامي خطاب يميني متطرف يحاول أن يقدم نفسه بكونه بديلا أيديولوجيا وحضاريا للأيديولوجيات التقليدية بعدما لم تستطع إيجاد حلول لمختلف هذه الأزمات كما مع أزمة الإرهاب والأزمة المالية والاقتصادية. لقد قدّمت الأيديولوجيا اليمينية الجديدة نفسها كبديل قوي، فيما نُظر إليها باستهتار كبير من طرف أنصار الأيديولوجيات التقليدية والتي لم ترى فيها سوى مجرد سحابة عابرة ولن تدوم كثيرا[15].  لكن الأكيد أن اليمين المتطرف سيبقى طويلا مادامت ظروف وجوده قائمة، وما دام أنصاره يؤيدونه انتخابيا، لكن ربما التغيرات السياسية غير المرتقبة ستجعله ينساب مع تلك المتغيرات تماما كما حدث لأيديولوجيات بدأت راديكالية لتنتهي تقليدية.

ثالثا: تداعيات صعود اليمين المتطرف الأمريكي على العالم الإسلامي   

يتابع العالم في كل انتخابات رئاسية أمريكية جديدة ما يجري داخل الولايات المتحدة الأمريكية بترقب شديد، ذلك لأن هذا البلد الإمبراطور يعد محرك السياسة والاقتصاد العالميين، بالإضافة إلى أنه متشابك مع جل المصالح الاستراتيجية العظمى، وبالتالي فإن أي تغيّر في الإدارة السياسية يعني تغيّر في العلاقات الدولية وفي طبيعة المصالح، وكل تغيير استراتيجي له تكلفة لدى الدول المرتبطة بهذا البلد. تعد هذه الانتخابات بالمقابل ذات أهمية قصوى بالنسبة للعالم الإسلامي؛ فبالإضافة إلى وجود جالية مسلمة مهمة في أمريكا وما يعنيه ذلك على مستوى تضرر هذه الجالية من أية سياسة عنصرية ضدهم، فإن تأثير هذا البلد ووزنه في حل أو تأزيم قضايا مصيرية في العالم الإسلامي لهو حساس وقوي جدا. فالعالم الإسلامي متضرر من قضايا مصيرية كثيرة جراء تحيّز البيت الأبيض اتجاهها؛ حيث تعتبر القضية الفلسطينية إحدى أهم هذه القضايا إثارة للجدل منذ اندلاعها في النص الأول من القرن العشرين، والتي يعتمد حلها كثيرا على موقف الولايات المتحدة الأمريكية واستعدادها القوي لحلها. كما تتدخل بشكل مباشر أو عبر وسائطها الاستراتيجية في قضايا مصيرية أخرى عديدة، كقضايا إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم العربي، وامتلاكها لقواعد جوية عسكرية في معظم مناطق العالم ما يجعلها مستعدة لأي تدخل عسكري أو مخابراتي في أي تحول سياسي في بلد من البلدان.

وبما أن هذا البلد بهذه القوة العظمى، فإن له وزن حساس لدى بلدان العالم الإسلامي، سواء من حيث القوة العسكري والاقتصادية والسياسية التي يمتلكها، أو من حيث تمثله لإرث حضاري وثقافي مضاد للعالم الإسلامي أو هكذا يصوره أنصاره ومواطنوه خصوصا من اليمين المتطرف الذي ندرسه في هذا البحث. تعتبر إشكالية المفارقة الثقافية هذه إحدى أهم القضايا الحساسة التي يستغلها اليمين المتطرف الجديد لكي يبيّن أن الاَخر عدو وجودي لهم خصوصا ذو الأصول الإسلامية، وبالتالي وجب محوه ومحاربته لكونه يهدد أمننا وأمن بلدنا. وهذا الخطاب كان واضحا وصريحا في تصريحات الرئيس الحالي دونالد ترامب، عندما صرّح مثلا في أحد خرجاته الإعلامية أيام الحملة الانتخابية: “سنوقف حركة دخول السلمين إلى أمريكا نهائيا”[16]. ولم يكن هذا التصريح من قبيل خلق البروباغاندا الانتخابية من أجل كسب الأصوات الراديكالية، ولكنها كانت قناعة راسخة لدى دونالد ترامب، ولتأكيدها فقد قام بعد انتخابه رئيسا جديدا وعلى بعد بضعة أشهر من ذلك، بسن قانون يحرم على سبع دول إسلامية دخول مواطنيها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بحجة أن هذه البلدان فيها حروب أهلية وتنتشر فيها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ما يجعلها تهدد الأمن الداخلي للبلاد.

من جهة أخرى، تقيم الإدارة السياسية في أمريكا وزنا كبيرا للعالم الإسلامي خصوصا الشرق الأوسط، لما تمثله من سوق استراتيجيا ولكونها المنطقة المتوترة باستمرار بسبب الوجود الإسرائيلي الذي ترعاه أمريكا سياسيا واستراتيجيا، والذي يشكل نقطة المفصل في التوتر الحاصل بينها وبين العالم الإسلامي. لذلك فإن أي إدارة تصل إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية إلا وتقوم بسن سياسة خاصة بالشرق الأوسط، وتعتبر الخطابات والزيارات الرسمية إلى المنطقة إحدى أهم الطرق الديبلوماسية لتخفيف التوتر الحاصل بين أمريكا والعالم الإسلامي. لذلك كانت دلالات زيارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما إلى تركيا ومصر ثم إلقاء خطاب سياسي من هناك بمثابة سابقة في الإدارة الأمريكية، وهي البادرة التي رأى فيها الشارع العربي والإسلامي بمثابة إعلان صلح سياسي وبادرة حسن نية لإصلاح ما تسبب فيه الرئيس بوش الإبن بسبب سياساته التي اعتبرت الأسوأ في تاريخ أمريكا بعدما غزى بلديين إسلاميين وتسبب في إشعال حروب أهلية وعنف فيها.  

تنتشر أطروحة الصراع الثقافي والحضاري بين أوساط النخب الأمريكية والشارع الأمريكي لتبرير حالة التوتر والصراع على المواقع والمواضيع المصيرية المطروحة في المحافل الدولية. ويعتبر كتاب “صراع الحضارات” للأكاديمي صامويل هنتغتون اللبنة الأم التي أصّلت لهذه الأطروحة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. الأكيد أن هنالك تباين ثقافي بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الإسلامي[17]، لكن الترويج لانتقال هذا الاختلاف إلى صراع مصيري هو من الفبركات التي يروجها الإعلام المتحامل والنخب الراديكالية خصوصا اليمين المتطرف الجديد الذي نناقشه هنا. فهذا التيار الجديد يرى في العالم الإسلامي معاديا حضاريا للقيم والإرث الحضاري الأمريكي، ولا عجب إن تكلم أحد أفراد الإدارة الأمريكية مثل بانون Bannon الذي اعتبر أن الحضارة الغربية عموما هي حضارة مناقضة للحضارة الإسلامية، بل أصّل لذلك منذ الحروب مع الإمبراطورية العثمانية وتكوّن الحضارة الغربية المناقضة للحضارة الإسلامية وللفكر الشمولي حسب قوله[18]. يؤجج الفكر اليميني المتطرف الأمريكي بهذه الطريقة الصراع الحضاري بشكل واضح وصريح، وهو ما يظهر جليا في سياساته المتطرفة اتجاه المسلمين عموما والجماعات الإسلامية بشكل خاص سواء المعتدلة أو المتطرفة منها. لذلك فهو يرى في الأحداث الإرهابية التي تحدث في كل مرة في بلد عربي أو أوروبي، كعامل محفز لتثبيت هذه الأطروحة لدى مناصريه ومعارضيه على السواء، حتى أصبحت الإرهابية في الغرب عموما عاملا انتخابيا مساعدا على حشد الأصوات الراديكالية والتخلي عن التيارات التقليدية الرئيسية.

تؤثر طبيعة السياسة المتبعة من طرف الإدارة الأمريكية على مستقبل العديد من بلدان العالم الإسلامي؛ ذلك أن العديد من القرارات التي تُتخذ في هيئة الأمم المتحدة مثلا، يلعب فيها الصوت الأمريكي دورا مهما خصوصا عندما يكون القرار لصالح دولة عربية أو إسلامية معينة. وتجربة الصراع العربي الإسرائيلي تظهر هذا الأمر؛ ففي العديد من الحالات التي يُقدم فيها قرار أممي للمصادقة عليه لصالح الطرف الفلسطيني، يكون الصوت الأمريكي بمثابة فيتو حاسم ضد تمرير هذا القرار. والأمر يزداد تعقيد مع وصول اليمين المتطرف للسلطة؛ فلقد عبّر دونالد ترامب صراحة على دعمه للموقف الإسرائيلي في حين يتم تجاهل الحق الفلسطيني وموقفه العادل في هذه القضية المعقدة. لذلك يشجع هذا التحايل الأمريكي الجديد الجانب الإسرائيلي على المضي في سياسة التهويد والاستيطان ونزع الممتلكات الفلسطيني بدون أدنى حق، وفي انتهاك صارخ لكل المواثيق والمعاهدات الدولية. وسيؤدي هذا الأمر إلى المزيد من التوتر والعنف بل والحرب خصوصا إذا أحس الجانب الفلسطيني أن المنتظم الدولي لم يعد قويا للدفاع عنه، وبالتالي يلجأ إلى الدفاع عن النفس بكل الوسائل الممكنة.

  سيسرع اليمين المتطرف الأمريكي من وثيرة تطبيق ما بات يعرف بخارطة الشرق الأوسط الجديد؛ فبعدما كانت هذه الأطروحة مجرد فقاعة إعلامية وحديث المحللين السياسيين، يبدو أن الأمر فيه جانب كبير من الصواب. وكانت مرحلة الرئيس بوش الابن نقطة البدء في تطبيق هذه الخريطة مع اجتياح الجيش الأمريكي لأفغانستان والعراق، وتفسير ذلك بكون البلديين معا يحويان أنظمة إرهابية خطرة على الأمن الأمريكي والدولي معا. لكن تبيّن فيما بعد أن تلك الادعاءات كانت باطلة، خصوصا في حالة العراق التي قيل إن نظام صدام حسين كان يملك أسلحة نووية قد يهدد بها المنطقة وحلفاء أمريكا الاستراتيجيين. تعتبر خارطة الشرق الأوسط إذن حقيقة واقعية وقابلة للتطبيق خصوصا في وجود بيئات مساعدة على ذلك؛ فجل الأنظمة السياسية في المنطقة هشة وليست لديها قوة عسكرية ولا نوعية للدفاع على نفسها، كما أن شعوب المنطقة سئمت من استبداد حكامها وطغيانهم وهو الأمر الذي قد يجعل هذه الشعوب ترغب في تغيير الأوضاع ولو باجتياح خارجي. إن دعم الانقسامات الجيوغرافية لبلدان الشرق الأوسط ليعتبر من النقاط المحورية لما بات يعرف بالشرق الأوسط الجديد؛ والجلي في الأمر أن اليمين المتطرف الأمريكي لا يقوم بمثل هذه التدخلات بشكل مباشر وبمشاركة جيوشهم، بل تدعم دولا وأنظمة عربية لكي تقوم بهذه المهمة نيابة عنها وتقليل في الخسائر المادية والعسكرية.

تتميز سياسة اليمين المتطرف الأمريكي بقيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب بكونها لا تستثمر في الديبلوماسية الموازية أو ما يسمى بالقوة الناعمة كما تفعل سابقاتها؛ فالإدارة الحالية ترفض الاستمرار في سياسة تمويل القوى الاستراتيجية المناوئة للموقف الأمريكي في القضايا ذات المصلحة في دول الشرق الأوسط. ويرجع هذا الموقف إلى رغبة الإدارة اليمينية الحالية في ترشيد نفقاتها وعدم صرفها خصوصا على حروب مستنزفة وصراعات مكلفة، وهو ما صرّح به صراحة الرئيس دونالد ترامب عندما قال إن على حلفائنا “أن يدفعوا لنا إذا هم أرادوا أن نقف بجانبهم”. تدل سياسة الدفع من أجل التأييد هذه، على أن اتخاذ مثل هذا الموقف سيؤدي إلى إرباك حسابات الدول التي تبحث على موقف إيجابي من طرف الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا إذا لم تستطع تمويل موقفها هذا. إن ابتعاد أمريكا على لعب دور إيجابي في حل العديد من القضايا السياسية والعسكرية العالقة بين دول المنطقة العربية، سيؤدي إلى توغل الأطراف العظمى الأخرى، مثل روسيا والصين وايران، في المنطقة بشكل منفرد ما قد يعقد حل هذه القضايا خصوصا وأن هذه القوى الصاعدة تبحث لها عن تحرير مناطق مهمة من السيطرة الاستراتيجية لأمريكا، وبالتالي تمكنها فيما بعد من ابتزاز المنتظم الدولي وامريكا خصوصا في قضايا أخرى مصيرية، مثلما يحدث الاَن في الساحة اليمنية وسوريا ومناطق أخرى.

سيؤدي الموقف اليميني المتطرف من القضايا الإسلامية العادلة، إلى استمرار الأنظمة التسلطية في الحكم السياسي في المنطقة وإلى تنامي المد الإسلامي الراديكالي والمسلح ضد أمريكا وضد مصالحها الاستراتيجية. فمن جهة، ستنتعش الأنظمة الاستبدادية العربية في المنطقة، خصوصا في فترة اليمين المتطرف الحالي، لأنه لا يبالي بدعم مسيرة الدمقرطة في العالم العربي والإسلامي ما دام يعادي أصلا هذه المنطقة، ولأن وجود واستمرار الاستبداد قد يخدم مصالحه في كسب المال من وراء دعمه، ثم في كبحه لجام التيارات الإسلامية المعارضة وكدا حركة المهاجرين إلى أمريكا والغرب عموما. وسيكون المتضرر إذن من هذا الموقف، الشعوب العربية والإسلامية التواقة للحرية والانعتاق من نيران الاستبداد العربي والإسلامي، مادامت الأنظمة الاستبدادية تقوّت عليها بمساعدة الحلفاء الخارجيين، وسيتضرر أيضا شبكة كبيرة من المنظمات الأهلية والمدنية التي تشتغل في مشاريع تنموية وتنويرية بدعم من شركائهم في الدول الغربية كأمريكا مثلا.

وتعتبر الأزمة الخليجية الحالية بين قطر ودول الخليج الأخرى خصوصا السعودية والامارات والبحرين ثم مصر، من أهم الأزمات التي كان فيها الموقف الأمريكي السبب الرئيسي في اندلاعها واستمرارها طويلا. فبعد زيارة دونالد ترامب للرياض وابرامه صفقة عسكرية ضخمة قيل إنها صفقة العمر بالنسبة لهذه الإدارة الحالية، دخلت الدول الخليجية المذكورة اَنفا في صراع سياسي مع قطر بسبب ما اعتبرته هذه الدول بكون قطر تدعم الإرهاب والجماعات الإسلامية المعارضة، ولولا تدخل أطراف كثيرة في حل هذه الأزمة ومساعدتها على تهدئة الأطراف المتنازعة، لتحوّلت الأزمة إلى صراع عسكري قد يشعل المنطقة ويؤدي إلى حروب قد لا تتوقف. وطبعا، فمن صالح الإدارة الأمريكية الحالية، أن ترى دول المنطقة تتصارع لأنها ستجني من وراءها المال ومكاسب جيو استراتيجية أخرى في مناطق أخرى من العالم، كفلسطين مثلا وبالتحديد قطاع غزة الذي تقوم قطر بإعادة إعماره وتمويل مشاريع تنموية كثيرة في المنطقة اعتبرت دعما مباشرا من قطر لحركة حماس الإسلامية، ولمشروعها السياسي ضد الوجود الإسرائيلي. ستكون كل مناطق الدول الإسلامية المتواجدة في حالة نزاع تاريخي أو تهدئة سياسية، في حالة تأهب في ظل الإدارة الأمريكية اليمينية الحالية؛ حيث إن هذه الأخيرة ستبحث عن خرائط جيو-سياسية جديدة الهدف منها كسر شوكة الأنظمة الإسلامية المتنامية والتي ستخاف منها أمريكا من ان تتحالف مع قوى معادية، أو أن تصدر لها خلايا إرهابية قد تهدد أمنها القومي. لذلك من الضروري على دول العالم العربي والإسلامي، تغيير المتحاورين والداعمين لها في قضاياها المصيرية، ثم محاولة إحداث شراكات مع قوى صاعدة جديدة خصوصا تلك التي تتميز بالحياد وباحترام المؤسسات الدولية والمواثيق الأممية. وأخيرا، يجب على دول المنطقة الإسلامية تسريع وثيرة الدمقرطة والتحديث وبناء المؤسسات وتقوية الثقة فيما بين الشعوب وحكامها، ثم تثبيت دعائم بناء الأمة القائمة على قيم الحداثة والديمقراطية وتعاليم الدين السمحة، وتعتبر هذه الخطوات بمثابة خارطة الطريق التي وجب اتباعها وبناء تحالفات لأجل دعمها.

المراجع

أيت خرواش، مصطفى، مراجعة كتاب ” أخلاق الرأسمالية ” للأكاديمي الأمريكي توم بالمر، المنشور في مجلة “عمران” المحكمة، عدد 15، شتاء 2016.

بشارة، عزمي، صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية، في “سياسات عربية”، عدد 23، تشرين 2016، ص 13.

ريناس بنافي، صعود اليمين المتطرف الاسباب والتداعيات : دراسة تحليلية، المركز الديمقراطي العربي، شوهد في 13 يونيو 2017 في http://bit.ly/2wAffV7

Albertazzi, Daniele & McDonnell, Duncon. Populists in Power, p3

Albertazzi, Daniele & McDonnell, Duncon. Populists in Power. (New York: Routledge, 2015), p3.

Alexis de TocquevilleDemocracy in America and Two Essays on America. Translated by Gerald. E. Bevant. London, Penguin Books, 2003. 

 David Neiwert¸ Alt-America: The Rise of the Radical Right in the Age of Trump,

Eatwell, Roger & Mudde, Cas. Western Democracies and the New Extreme Right Challenge. (New York, Routledge, 2004, p8

Eatwell, Roger & Mudde, Cas. Western Democracies and the New Extreme Right Challenge. )New York: Routledge, 2004), p197.

Ishaan Tharoor, Trump is ruling America with the agenda of Europe’s far right, Washington Post, in 30 january 2017,  http://wapo.st/2vmdEEL

John Feffer, Trump Vs Islam, in Foreign Policy, 21 February 2017, in  

Kenny, Micheal. The Politics of Identity. Cambridge, (New York: Polity Pres, 2004), p3.

Mehmet Ozalp, What might a Trump presidency mean for Muslims and the Muslim world? In The conversation, 11 November 2016, in

Mohammed Cherkaoui, Donald Trump: The Rise of Right-wing Politics in America, in 21july 2016, in http://bit.ly/2urYVco

Norris, Pippa. Radical Right; Voters and Parties in the Electoral Market. )New York: Cambridge university Press, 2005(, p11.

Peter Skerry, American Culture and The Muslim World, in Brookings, June 30, 2010, in

Rubin, Barry. Silent Revolution; how the left rose to political power and cultural dominance. (New York: Harper Collins Publishers, 2014), p69.


[1] أنظر، Alexis de TocquevilleDemocracy in America and Two Essays on America. Translated by Gerald. E. Bevant. London, Penguin Books, 2003. 

[2] Norris, Pippa. Radical Right; Voters and Parties in the Electoral Market. )New York: Cambridge university Press, 2005(, p11.

[3] Eatwell, Roger & Mudde, Cas. Western Democracies and the New Extreme Right Challenge. )New York: Routledge, 2004), p197.

[4] ريناس بنافي، صعود اليمين المتطرف الاسباب والتداعيات : دراسة تحليلية، المركز الديمقراطي العربي، شوهد في 13 يونيو 2017 في http://bit.ly/2wAffV7

[5]  أنظر مراجعتنا لكتاب ” أخلاق الرأسمالية ” للأكاديمي الأمريكي توم بالمر، المنشور في مجلة “عمران” المحكمة، عدد 15، شتاء 2016.

[6] أنظر David Neiwert¸ Alt-America: The Rise of the Radical Right in the Age of Trump, New York, Verso, 2017.

[7]  بشارة، عزمي، صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية، في “سياسات عربية”، عدد 23، تشرين 2016، ص 13.

[8]  أنظر Kenny, Micheal. The Politics of Identity. Cambridge, (New York: Polity Pres, 2004), p3.

[9] أنظر Eatwell, Roger & Mudde, Cas. Western Democracies and the New Extreme Right Challenge. (New York, Routledge, 2004, p8

[10] Albertazzi, Daniele & McDonnell, Duncon. Populists in Power. (New York: Routledge, 2015), p3.

[11] بشارة، عزمي، صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية.

[12] أنظر Ishaan Tharoor, Trump is ruling America with the agenda of Europe’s far right, Washington Post, in 30 january 2017,  http://wapo.st/2vmdEEL

[13]  أنظر Mohammed Cherkaoui, Donald Trump: The Rise of Right-wing Politics in America, in 21july 2016, in http://bit.ly/2urYVco

 

[14] أنظر Rubin, Barry. Silent Revolution; how the left rose to political power and cultural dominance. (New York: Harper Collins Publishers, 2014), p69.

[15] Albertazzi, Daniele & McDonnell, Duncon. Populists in Power, p3

[16] أنظر، Mehmet Ozalp, What might a Trump presidency mean for Muslims and the Muslim world? In The conversation, 11 November 2016, in http://bit.ly/2w68SMl

[17]  أنظر، Peter Skerry, American Culture and The Muslim World, in Brookings, June 30, 2010, in http://brook.gs/2fFjDz4

[18] أنظر، John Feffer, Trump Vs Islam, in Foreign Policy, 21 February 2017, in http://bit.ly/2uCm6Rr 

مصطفى أيت خرواش

باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية، مهتم بقضايا الديمقراطية والحرية والتحولات الاجتماعية، وكاتب مقالات وأبحاث علمية منشورة في منابر ومجلات بحثية عديدة. كما شارك في عدة مؤتمرات وطنية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى