Non classéالمقالات

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “،‏”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلى أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلى تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلى هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز على ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي على وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلى المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخرى. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.

 وعلى هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخرى في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلى تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.

———————————————————

  • محمود محمد علي : كاتب وفيلسوف مصري معاصِر، يشغل حاليًّا منصب أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة أسيوط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى