المقالات

في وداع الفيلسوف حسن حنفي: الإخواني الشيوعي الذي أصبح فيلسوفا.(4).

حكى سيد قطب طفولته في سيرته الذاتية ( طفل من القرية)؛ حكى فيها عن طفل نشأ في وسط متدين حتى الثمالة؛ لكنه وسط يختلط فيه الدين بالخرافة؛ حفظ القرآن  الكريم، إلى جوار تصوف المجاذيب، والتعلق بالأولياء، والإيمان بالعفاريت… ومجهودات المعلمين في التصدي لتسرب هذه الخرافات إلى عقول الأطفال. وكان المعلم يمثل سلطة العلم في مواجهة تمدد صور العفاريت والتمائم وتمثلات الأرواح الشريرة في ذهنية الأطفال. لقد عاش سيد قطب/ الطفل صراع الدين والخرافة، وصراع العلم والخرافة، وصراعا آخر بين المدرسة والكتاب. وهي طفولة قريبة من طفولة طه حسين/الطفل في ( الأيام). وقد أهدى سيد قطب سيرته الجزئية ( طفل القرية) لطه حسين! والتقط الأستاذ حنفي عنصرين أساسيين في سيرة طفل القرية؛  وهما: المكون الديني والمكون الاجتماعي في السيرة؛ المكون الديني الذي عاشه من الداخل، في الكتاب، ومع مجاذيب الصوفية… والمكون الاجتماعي الذي عاشه من الخارج، في القرية/ الريف الفقير؛ حيث كان يلحظ فقر الفلاح، وقحط الأرض، وجفاف النهر، وجور الحكام، ونهب الملاك الكبار، ومعاناة المزارعين. ساهم هذان المكونان في بناء المادة الرمادية لشخصية سيد قطب الأدبية؛ هذه الشخصية التي تمرست في الوصف والتصوير، واكتسبت خبرة الأدباء والنقاد، مما سيتم توظيفه، بكفاءة عالية في بناء الأفكار الكبرى التي عرف بها سيد وحملها، وفي نشرها وسط الناس. فقد كان كتابا: ( التصوير الفني في القرآن)، و( مشاهد القيامة في القرآن)، أكبر عملية انفتاح لسيد قطب، على القرآن، وعلى الدين، بعامة، من خلال الفنون! فكان الكتاب الأول تنظيرا، وكان الثاني تطبيقا، في إطار أطروحة أدبية ونقدية، أقامها سيد قطب، تصالح بين الدين والفنون؛ مصالحة قائمة على بناء فضاء مشترك مبدع بين الدين والفنون يحترم خصوصيات كل طرف، عكس أطروحة (الأدب الإسلامي) التي ستدافع عنها الحركات الإسلامية لاحقا، والتي تقوم على ( أدلجة) الأدب بالدين، وعلى إهدار الطاقة الإبداعية للأدب والأدباء. هذه الطاقة المهدورة التي عبر عنها أحد نقاد الشعر الكبار في الأدب العربي القديم، وهو الأصمعي ( توفي سنة 216 هجرية)، عندما وصف شعر حسان بن ثابت، بعد دخوله الإسلام، بأنه شعر: ( لان وضعف). لذلك وصف الأستاذ حنفي أداة التصوير الفني التي اعتمدها سيد قطب في كتاب ( مشاهد القيامة)، بأنها تعبر على ( شجاعة الفكر والتمسك  بحرية النظر دون أدنى مجافاة للدين. كما تدل على أن المؤلف ( سيد قطب)، كان متقدما على عصره الذي مازالت تسوده الحرفية والتفسير المادي للنصوص). ( الحركات الدينية المعاصرة، ص183). لقد قدم سيد قطب، بنظر الأستاذ حنفي، تصورا لمذهب أدبي، يجمع بين الدين والأدب، مع حفظ حرية الإبداع، والدفاع عن المنزع الشعوري في العملية الإبداعية؛ لذلك انتقد المدونة الأدبية والنقدية العربية الكلاسيكية، لأنها تهمل طريق المشاهد والجزئيات في عرض التجارب، وتحرص على وضعها داخل قوالب صارمة، على شكل: حكم، أو قواعد، أو مواعظ. لذلك انتقد التيار المنطقي/ الوضعي، بلغتنا، في الأدب، والذي قاده الناقد المتمنطق قدامة بن جعفر (توفي سنة337هجرية في بغداد). وانحاز سيد في المقابل إلى العالم البلاغي الإمام عبد القاهر الجرجاني ( توفي سنة471 هجرية)، لأنه أسس أطروحته في  الأدب على مقولتي: ( التخييل)، و( التحليل النفسي). لذلك أهدى سيد قطب كتابه ( النقد الأدبي، أصوله ومناهجه) إلى عبد القاهر الجرجاني؛ وقال في إهدائه: ( إلى روح الإمام عبد القاهر أول ناقد عربي أقام النقد الأدبي على أسس علمية نظرية ولم يطمس بذلك روحه الأدبية الفنية، وكان له من ذوقه الناقد وذهنه الواعي ما يوفق به بين هذا وذلك في وقت مبكر شديد التبكير). واستطاع سيد، من خلال هذا التصور المنفتح للأدب، أن يتفاعل مع الحركة الأدبية في مصر، ومع روادها؛ مثل: طه حسين، والمازني، وحركة الشعر الحديث؛ مع نازك الملائكة. ودافع عن رأي العقاد في الأدب الشعبي، لقدرة هذا الأدب على الافلات من وصاية الحاكم! كما انفتح على الفنون الأخرى؛ مثل: التصوير، والموسيقى، والايقاع، والظلال، ولم يكن بعيدا عن أطروحات الواقعية في الأدب. إن سيدا كان واعيا بأنه يعيش مرحلة تقدم فيها أطروحات كبرى/ نماذج معرفية، تربط بين الإبداع وبين التصورات. لذلك كان عنده ( المقياس الحضاري) محددا أساسيا للأدب داخل كل حضارة. ولم يمنعه هذا من الانفتاح على الأدب الإنساني؛ فقد كان معجبا بالأديب والشاعر الهندي طاغور، وكان كثير الاستشهاد بمؤلفاته.

يستخلص الأستاذ حنفي من هذه المرحلة من حياة سيد قطب أنه قدم تصورا متقدما للآداب والفنون والموسيقى والتصوير والأدب الشعبي، منطلقا من تذوقه للقرآن الكريم، ومن انفتاح على الحركة الأدبية والنقدية، في مصر وفي العالم العربي والإسلامي، ومن تفاعله مع الأدب العالمي. إلا أن الجماعات الإسلامية لم تتفاعل مع هذا الإنتاج الأدبي والنقدي لسيد قطب، لافتقادها الروح الحية التي كان يدخل بها سيد قطب عالم القرآن، وعالم الأدب والإبداع. وافتقدت بذلك هذه الجماعات إمكانيات بناء حاسة أدبية وجمالية، ووقعت ضحية الرؤى الحرفية والتفسيرات الجافة، روحيا وشعوريا، وامتلأت دواخلها بشحنات من الغضب والتمرد والقسوة. كما لم تستطع بناء تصورات عن الأدب وعن الفنون يكون فيها القبض على الدوافع الإنسانية، وعلى تفاعلات الحياة الاجتماعية، وتعبر عن نزوعات الإنسان، وعن رغباته، وعن طموحاته، وعن أشواقه وتطلعاته، وعن آلامه وانكساراته… بل أنتجت صورا حولاء للأدب والشعر، تختزل، بشكل فج، صراع الكفر والإيمان، وصراع الجاهلية والإسلام، وغيرها من الثنائيات المتضادة.

ويبدو، بنظر الأستاذ حنفي، أن الجماعات الإسلامية قد تبرمت من الجزء الأدبي والفني من شخصية سيد قطب لأنه لا يعبر عن الحالة الإسلامية/ الأيديولوجية، والتي تفترضها في القائد والزعيم. فهي لم تتحمل سيد قطب شاعر الحب والغزل، والقريب من طه حسين والعقاد، والمنفتح على طاغور وعلى الأدب العالمي. إن شخصية سيد قطب الأديب تخدش ( الطهرانية  الظاهرية) للجماعات الإسلامية، وتزيل الغطاء عن كل ماهو: كبت، وعقد، وحاجات متخفية. وتعبر بشكل علني، عن عواطف الحب، والإعجاب المتبادل، والاعتراف بمكونات الفطرة، وبمظاهر الجمال في الخلق، وفي الكون.

كانت شخصية سيد قطب الأديب أساسا عميقا مدفونا في شخصياته الأخرى؛ شخصية ظل سيد قطب يدافع عنها ويتمسك بها؛ كما في كتبه: ( الإسلام حركة إبداعية شاملة في الفن والحياة)، و( منهج الأدب في التاريخ: فكرة ومنهاج). شخصية دينية ووطنية وحضارية وإنسانية. وظلت الجماعات الإسلامية حريصة على فصل هذا المكون الأدبي والفني عن شخصيته، والاحتفاظ بسيد قطب الداعية والقائد الديني/ الأيديولوجي؛ سيد الذي رسمت له الجماعات الإسلامية مع الإعلام المتحيز والخصوم السياسيين صورة مرعبة في خيال الناس، صورة تهدر حقيقة هذه الشخصية المظلومة، حية وميتة. لذلك سعى الأستاذ حنفي إلى تقديم صورة متكاملة وقريبة من حقيقة شخصية سيد كما عاشها، بآمالها وبآلامها، وبصوابها وبخطئها. لكن النزعات الأيديولوجية المتطرفة كانت حريصة على تقديم سيد قطب إما ملاكا وإما شيطانا! في الوقت الذي كان فيه سيد مجرد إنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

اظهر المزيد

محمد همام

د. محمد همام - أستاذ وباحث أكاديمي مغربي، حائز على شهادة الدكتوراة الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القاضي عياض بمراكش، تخصص بلاغة وفلسفة. أستاذ مؤهل بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أيت ملول، جماعة ابن زهر/أكادير. - له العديد من البحوث والدراسات والترجمات. - حائز على الجائزة التقديرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية من تنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسية في قطر. - صدر له العديد من المؤلفات نذكر منها: - "المنهج والاسدلال في الفكر الإسلامي، مساهمة في النقد". 2003. - " جدل الفلسفة العربية بين طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري - البحث اللغوي نموذجاً". 2013. - "الفن المغربي جاذبا للاندماج الاجتماعي" 2013. - "ابستمولوجيا العلوم الإسلامية، مقاربات منهجية في علم اجتماع المعرفة الدينية" 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق