المقالات

الحب بوصفه عطاء

سألني أحدُ تلامذتي:كيفَ يمكنني أن أكونَ معلّمًا للأخلاق والمحبّة؟

قلت له: لا تكون معلّمًا للأخلاق والمحبّة إلا أن تكون صادقًا مع نفسك أولًا، صادقًا مع الناس ثانيًا، وصادقًا مع الله ثالثًا. الحُبّ يبدأ بحُبّ الذات أولًا، ثم حُبّ الناس ثانيًا، ليصل إلى حُبّ الله ثالثًا. مَنْ لا يحُبّ ذاتَه لا يحُبّ الناس، ومَنْ لا يحُبّ الناسَ لا يحُبّ الله. الحُبّ هو إسعادُ الناس، الطريقُ إلى الله يمرُّ عبر الناس، مالم يكرّس الإنسانُ جهودَه من أجل سعادةِ الناس، والعملِ على أن تكون حياتُهم أجمل، وعيشُهم أسهل، لن يصل إلى الله. إسعاد الناس أقصر الطرق إلى الله. الحُبُّ عطاء، إسعاد الناس لا يتحقّق إلا بالعطاء، العطاء بمعناه الأشمل، سواء أكان ماديًا أو معنويًا، بحسب ما يحتاجه مَنْ يستحق العطاء. مَنْ يحتاج خبزًا ودواءً وإغاثةً يُعطى الخبز والدواء والاغاثة. مَنْ يحتاج المعنى يُعطى المعنى، إشباعُ حاجة الإنسان للمعنى تنقذه من الشعور المرير باللاجدوى والضياع والقلق والكآبة.

كلُّ إنسان هو أثرُه، الأثرُ النبيل لا يُمحى وإن أصرّ الكلُّ على محوه. العطاءُ يُحدِث أثرًا مضاعفًا، فهو في الوقت الذي يُسعِد مَنْ يُعطَى يُسعِد المُعطي أيضًا، وربما يكون إسعاده للإنسان المُعطي أكثر من إسعاده لمَنْ يُعطيه. أخلاقية الإنفاق والعطاء تظهر ثمرتُها المباشرة في تسامي الإنسان، وإثراء حياته بالسلام الداخلي، وشعوره الدائم بالسعادة، “مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. الآيةُ تؤكدُ على نفي الخوف والحزن، والسعادةُ في أبسط معانيها تعني نفيَ الخوف والحزن. الخوفُ والحزنُ سجنٌ مظلمٌ يُنهِك القلبَ. مَنْ يستبدُ به الخوفُ والحزنُ يموتُ قبلَ موته.

بعضُ البخلاء يعوّضون عجزَهم عن الإنفاق والعطاء المادي والمعنوي بالغرق في صلوات وعبادات خارجَ الفرائض، ودعاء وذكر. الصلواتُ والعبادات والدعاء والذكر تهدفُ إلى تنمية وترسيخ أخلاقية الإنفاق والعطاء، إلى أن تصيرَ هذه الأخلاقيةُ حالةً يتصف بها الإنسانُ، وسلوكًا ينعكس على مواقفه وعلاقاته الاجتماعية المتنوعة، “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”.

تعرّفت على أغنياء بخلاء لا هدفَ لهم في الحياة إلا تكديس المال ومراكمته، أشحةً على أنفسهم وأهليهم والناس، تنمو أموالُهم في البنوك أرقامًا صامتة، وأسهم وسندات وأوراقًا مالية مكدسة. لا ينتفعون من الأموال في حياتهم، يصرعهم الموت بغتةً، وهم غارقون في سكرة فائض الثروة. فجأة يختفي كلُّ شيء، لا بصمةَ تُخلِّد الذكرَ في الدنيا، لا نورَ يضيء الآخرة.

مَنْ يعجزُ عن حُبّ ذاته يعجزُ عن حُبّ غيره مهما كان، سواء أكان بشرًا أو إلهًا. في القرآن الكريم إشارةٌ واضحة إلى أن اللهَ يبدأ بحُبّ الإنسان ليحُبّه الإنسان: “يُحبّهُمْ وَيُحبّونَهُ”. يقول محيي الدين بن عربي: “إن الله هو الذي بدأنا بالمحبة تفضلًا منه فخلقنا، هو لا يخلق إلا ما أحب، ومِن حُبِّه لنا: بعثَ الرسل إلينا، لتعلِّمنا الأعمال التي تؤدي إلى سعادتنا، ثم أخبرنا أن رحمته سبقتْ غضبه، وأن أشقى الأشقياء مشمول بالرحمة والعناية وإلا هلك”.                                                                    شاقٌّ جدًا أن يكون الإنسانُ معلّمًا للأخلاق والمحبّة، بل يتعذّرُ على الناس المصابين بأمراض نفسية ذلك، وإلا لأصبح كلُّ الناس معلّمين للأخلاق والمحبّة. الأخلاقُ والمحبّةُ يتمناها الناسُ جميعًا، إلا أن مُعظمَهم لا تطاوعه نفسُه للظفر بذلك، ويشقُّ عليه قهرُ نفسِه لتتجرّع ما يؤذيها. النفسُ تستفزُّها نجاحاتُ الآخرين، وتثيرُها منجزاتُهم، وتنفرُ من تفوقهم، وتؤذيها سعادتُهم. الأخلاقُ تحثّ على الاحتفاء بنجاحات الآخرين، الحُبُّ يهب الإنسانَ السعادة بكلِّ ما يُسعِد الآخرين. هنا يقعُ التناقضُ بين ما يرغبُ فيه الإنسانُ ويتمناه، وما تنفر نفسُه منه، وما تفرضه عليه طبيعتُه بوصفها ملتقى الأضداد.

ترويضُ الطبيعة الإنسانية بالتربية الروحية والأخلاقية والجمالية يكفلُ احتواءَ هذا التناقض إلى حدٍّ كبير، عندما يخفض من فاعلية عناصر الشرّ، ويغذّي ويكرّس عناصرَ الخير في هذه الطبيعة. التربيةُ عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية. إنها كالمعادلات الكيمياوية التي تختلفُ نتائجها تبعًا لاختلاف كيفيات وكميات عناصرها، فقد تكون ثمرتُها الاستعباد، كما هو نمط تربية أكثر المؤسسات في مجتمعنا الوارثة لتقاليد الاستبداد وثقافته، وقد تكون ثمرتُها الحرية، وهذه قليلًا ما نعثر عليها في مجتمعنا. التربيةُ إن كانت ترتكز على معطيات العلوم والمعارف الانسانية، والقيمِ الأخلاقية والروحية والجمالية، فإنها تكون تربيةً خلّاقة، تثري الرأسمالَ البشري الذي هو أثمن رأسمال في العالم. وحين تغيب في التربية القيمُ والمعايير والاستراتيجيات والأساليب العلمية، وتجهل روحَ عصرها، فإنها تصير كجرعة السمّ التي تقوّض الحياةَ العقلية، وتمرض الحياةَ الروحية، وتطفئ الضميرَ الأخلاقي، وتفسد الذائقةَ الجمالية.

أحيانًا لا يعجز الإنسانُ عن الحُبّ فقط، بل يعجز عن الخلاص من كراهية الناس والحقد عليهم. تجده يتعذّب بكُرْه كلِّ الناس، ولو فرضنا أنه في يوم ما لم يجد مَنْ يكرهه فإنه يعود إلى نفسه ليكرهها. بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون عاطفيًّا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس. غير أن عجزَه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية، وجروحٍ غاطسة في البنية اللاشعورية في أعماقه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني.

ما دام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة معنوية، لا يستطيع الإنسانُ العيشَ بسلامة نفسية من دون معنىً لحياته، ولا معنى للحياة أثرى وأجمل من الحُبّ والعطاء، صلة الحُبّ بالعطاء صلة عضوية، الحُبّ أحد أعذب أشكال العطاء المعنوي. لغةُ الحُبّ لغةُ القلوب، لغةُ القلوب لا تخطئ، لغةُ القلوب لا يمكن التشكيكُ في صدقها، يتذوقها بغبطةٍ وابتهاج مَنْ تفيض عليه حُبّك، ولا ينجذب إليك مَنْ لا يتذوقها منك.كلّما استثمر الإنسانُ المزيد في الحُبّ كلّما امتلك المزيدَ من القلوب، وتنامت ثقةُ الناس فيه وثقتُه فيهم.

الحُبُّ كالضوء يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء ويظهره بجلاء. الحُبُّ لا يحتاج إلى من يكشفه ويظهره، بوصفه أوضحَ وأظهرَ من كلِّ شيء، وإن حاول أحدٌ تفسيرَه فهو عصيٌّ على التفسير. الحُبُّ حالةٌ، والحالاتُ أشياء وجودية. كما أن مفهومَ الوجود واضحٌ، وحقيقتَه عصيةٌ على الفهم، هكذا الحُبّ مفهومُه واضحٌ كنهُهُ مبهمٌ. مثلما يُعرفُ الوجودُ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته، يُعرفُ الحُبّ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته وثمراته في حياة الكائن البشري.

تعدّدت طرائقُ فهمِ الحُبّ وتفسيرِه وبيانِ آثاره المتنوعة على القلب والروح والضمير والعقل والجسد، فكلّ فن وعلم يفسّره من منظور يتطابق مع الوجهة التي يتجلى له فيها، الحُبّ لا يتجلى إلّا جميلًا مُلهِمًا. وكأن الحُبّ مرآةٌ لا يرتسم فيها إلّا ما هو رؤيوي مضيء. الحُبّ محُبوبٌ لكونه حُبًّا لا غير. الحُبّ حاجةٌ أبدية، وكلُّ شيء يحتاجه الإنسانُ بهذا الشكل لا يحتاج سببًا آخر غيرَه يدعوه للظفر به.

أشبع العرفاءُ الحُبَّ في كلّ الأديان بحثًا وتحليلًا، وما زال تحليلُهم لماهية الحُبّ هو الأجمل والأبهج والأعذب والأثرى، وهكذا أنشده الشعراءُ في قصائدهم وتغنوا فيه بغزلياتهم، وتوغل في تصوير حالاتِه وأطوارِه وثمراته ومواجعِه أعظمُ الروائيين مثل دوستويفسكي في أعماله الخالدة، ونهض بتفسيره الفلاسفةُ في علم النفس الفلسفي، واهتم بالكشف عن آثارِه المتنوعة ومظاهرِه وتعبيراتِه في حياة الفرد والمجتمع، كلٌّ من: علماء النفس، والاجتماع، والأنثربولوجيا، والأخلاق، وأخيرًا قدّم له علماءُ الأعصاب والدماغ تفسيرًا بايولوجيًّا.كلُّ علم وفن يفسّره من منظوره، الكلُّ يشددّ على عدم استغناء الإنسان عنه في أي مرحلة من مراحل حياته، وفي أية حالة يكون فيها، وفي أية محطة تصل حياتُه إليها. تظلّ الحاجةُ للحُبّ مزمنة، تولد مع الإنسان ولا تنتهي. يتطلعُ الإنسانُ كلَّ حياته إلى مَنْ يُحبّه في الدنيا، مثلما يتطلعُ إلى مَنْ يلبث يُحبّه فيُخلِّد ذكراه بعد وفاته.

اظهر المزيد

عبدالجبار الرفاعي

مفكر وكاتب عراقي، متخصص في الفلسفة الإسلامية. مدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، يرأس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة منذ إصدارها عا 1997 وحتى الآن. له العديد من الإصدارات في الفكر الإسلامي والفلسفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق