المقالات

     فيروس كورونا من الأنا إلى النحن

                       ”عش واترك غيرك يعيش[1]

الوباء بشكل عام؛ ما هو إلا امتحان لمعرفة مدى مناعتنا وقدرتنا على تجاوز المحن، والمحنة هنا تتجاوز  كل ما هو مادي إلى ما هو نفسي. لأن توهم فكرة المرض أخطر من عيش تجربة المرض بكثير. وهو نداء مجهول يدعونا  إلى عقد الصلح مع الآخر، فأن أحيا في العالم لا يعنى ذلك أنني  سأحيا بدون الآخر، وإلا فما الذي يجعلني أستشعر قيمتي؛ فالأكيد أنني بدون هذا الغير لا يمكنني معرفة من أنا،  أي أن وجودي ليس وجودا ماديا وحسب بل هو وجود تفاعلي يشترط توفر الأنا الذي ليس أنا، بهذا المعنى تصبح ذاتي أمام ذات أخرى أقيس عليها  محاسني وعيوبي، وكذلك تفعل الذات الأخرى بدورها، الأمر هنا أشبه ما يكون بـ العلاقة التي تجمع الطفل بالمرآة حسب نظرية التحليل النفسي عند جاك لاكان، بحيث يتم للطفل التعرف على ذاته من خلالها. إننا وإن اختلفنا فيما بيننا، إلا أننا نعيش  كلنا في عالم واحد. فشرط العيش هنا هو النحن بدل الأنا. لكننا ننسى ذلك وربما نتناساه وهذا ما يجعل القضية أكثر غموضا.

وُسم الإنسان بميسم الأنانية والعيش في معزل عن الآخر فكان أن تشكلت بينهم الحواجز والمسافات. وأضحى الواحد يرمق الآخر بنظرة الحقد والعداوة، لذلك طُبع تاريخ الإنسانية بالصراع  واللاتوافق. أن أعيش في العالم الأمر مشروط  بضرورة الانتماء لطرف ما -وإن حصل العكس نكون أمام حالة مرضية أو شاذة-  وكأننا أمام إنسانيات وليست إنسانية واحدة، وهذا ما لا يتماشى وجوهر الخلق الذي يهدف إلى التعاون بوضع خطة للعيش معا.

عملا بقاعدة  أننا نحيا جميعا وسنموت جميعا، و انسجاما  مع تفشي وباء الكورونا تسلل إلينا وعي ما بضرورة مواجهته معا، فالوضع أكبر من أن يُواجهه الأفراد كما أن خطورة هذا الوباء تكمن في أنه يعرف الانتشار كلما تهاون الأفراد في التصدي المشترك له، لقد  شاءت الطبيعة بعد مشيئة الله أن تعطينا درسا لائقا  في ما يخص ضرورة العيش المشترك، فعلى المستوى التاريخي مثلا؛ لم تتوافق الإنسانية إلا في الحالات التي يكون فيها العدو خارجي أو طبيعي  يتهدد الجميع.

من  إرهاب التطرف إلى إرهاب الكورونا

لا غرو في أن العالم ما قبل كورونا، عاش ظروفا صعبة من حروب ومجاعات وكوارث طبيعية، غير أن ما شغل حيزا مهما من تاريخ ما قبل  كورونا هو التطرف الذي عانت من ويلاته العديد من البلدان، وهو الذي رسخ هاجس الخوف والهلع لدى فئة كبيرة من الناس، وهنا نتحدث عن التطرف الديني الذي راحت في سبيله العديد من الأرواح، ولازلت جروحه لم تلتئم بعد، ومن المؤكد حقا أنها ستترك في الذاكرة الجمعية ندوبا لن يمحوها التاريخ، وهو الشاهد على تكرار المآسي منذ كم سنة إلى اليوم.

لقد عاش العالم العديد من صور المحن، لكنها لم تزد الإنسان إلا مناعة وإصرارا على مجابهة كل النوائب التي قد تجود بها الحياة، فالأكيد أن التجارب الحياتية تُكسب الإنسان المناعة على حد تعبير (سينيكا)، وهكذا كان على الإنسان أن ينتظم بفعل هذه الكوارث فتاريخنا لا يحتفظ فقط بالصورة الجميلة بقدر ما يحتفظ كذلك بالعديد من المحطات السيئة.

إن القاسم المشترك ما بين التطرف الديني وفيروس الكورونا هو الخوف من المجهول، والتوجس في كل لحظة، إنها حالة أشبه ما تكون بالوسواس القهري الذي يعاني منه المريض النفسي، بحيث يصبح له شك مفرط في كل شيء غير أن الاختلاف الحاصل مابين التطرف الديني والفيروس هو أن هذا الأخير أصبح بين ليلة وضحاها عدو مشترك بين كل الشعوب، وهي وضعية قلما آل إليها الإنسان المعاصر، إذ ارتبط مسار الإنسانية بالصراع والعنف، فكان عليه انتظار هذه الجائحة التي أعادت الإنسان إلى أصله الأول وهو حب الخير للغير. الأمر الذي أسهم في يناعة نوع من التعايش واقتسام ألم المحنة، وهذا من حسنات الفيروس إن صح الحديث عن حسناته.

الوباء فرصة لتقدير الذات

شكل الوباء فرصة سانحة أمام الإنسان لإدراك قيمته بالعودة إلى الذات،  فبعد أن فقد الإنسان البوصلة في زمننا الراهن، عاد إلى إحكام القبضة عليها من بوابة هذا الوباء الفتاك، الذي أعاد للإنسان مصالحته مع ذاته، والأدهى من ذلك أنه تمكن من إدراك قيمته وأهميته في ظل هذا الوضع الذي أشكل على الإنسان تجاوزه.

في كتابه فن العيش الحكيم يقول شوبنهاور: ”إن النعم الذاتية هي التي تدل بحضورها على توافر أسباب وموجبات السعادة، وتشمل الطبع النبيل والعقل الراجح والمزاج الرائق والنفس المرحة والجسم السليم. ومن أوجب الواجبات علينا أن نصون هذه النعم وننميها بدل اللهاث وراء النعم الخارجية ومظاهر الشرف والأبهة”[2]، فكل الرغبات التي يتطلع الإنسان إلى كسبها هي تسكنه على نحو ما، لكنه يجهلها أو يتجاهلها، وبالتالي  فقط نحتاج إلى محن وفتن كبرى تعيد إلينا كل الوشائج التي تربطنا بذواتنا والتي ضيعناها. نحتاج إلى إعادة تقييم النعم الذاتية حتى نقدر ذواتنا حق قدرها، بمعنى أن ما يتعلق بالذات هو الذي من المفترض أن يتغياه الإنسان، وطبعا هذا لا يحدث إلا في الحالات التي نحقق فيها أكبر قدر ممكن من الوعي بقيمة من نحن، فمعرفة الذات هي الأخرى لا تتم من خارج الذات، تماشيا مع قول سقراط ”اعرف نفسك بنفسك” فأنا من يجذر بي أن أفهم ذاتي وليس الآخر، إننا لسنا أمام أخصائي التحليل النفسي بحيث يجلس المفحوص أمام المحلل النفسي ليخبره عن أشياء يجهلها هو عن نفسه، بل نحن في مواجهة أنفسنا وبالتالي علينا التشخيص والعلاج في نفس الآن.

لقد كان على الإنسان انتظار مجيء هذا الوباء للوعي بمدى قيمة ذاته والعودة إلى تقدير الذات، فلا يختلف اثنان أننا  استشعرنا والعالم بما لا مجال فيه للشك أننا نعيش غربة مع ذواتنا، فاهتماماتنا بتفاصيل العيش عرضتنا للتيه  بشكل أو بآخر عن الجوهر الأساسي وهو فهم الذات وبالتالي البحث عن المصالحة، ففي وقت الأزمة أصبحت ذات الإنسان هي أغلى ما يملك، وبالتالي نفتعل كل ما من شأنه أن يدعنا أحياء، ولأرسطو قولة بليغة في هذا الشأن: ”الأشياء عارضة والطبيعة سرمدية”[3]، ففي الوقت الذي استشعر فيه الإنسان خطر الموت، أصبحت كل الأشياء التي حققها والتي يرغب في تحقيقها غير مرغوب فيها، ولا تحمل أية قيمة،  فالواقع أن الإنسان في المحنة يستشعر قيمته، والموت باعتبارها النهاية التي نخشاها  بالرغم من إيماننا بحدوثها، تجعلنا نعيد النظر في تصوراتنا للعالم. فللموت إذن هذا الفضل كونها تضع الإنسان أمام اختيارين لا ثالث لهما؛ فإما النجاة وإما الهلاك، ”وتبدأ هذه الحقيقة، التي لا اسم لها سوى الموت، في إقلاق هؤلاء البشر الضعفاء… ”[4]. الوباء شكل مظهرا من مظاهر النقص في الوجود، وأعطى فرصة سانحة لربط الوشائج مع ذواتنا وعليه ”فالتعايش لا يتم خارج حدود أنفسنا بل داخلها”[5].

بما أننا ”لا نرغب إلا في الأشياء التي تنقصنا” كما يقول أفلاطون،  فإننا لا نعجب من أن الرغبات التي كنا بالأمس القريب نرغب فيها، قد انتفت أو عُلقت إلى أجل غير مسمى، أمام رغبة العيش؛ فلا وجود لأي رغبة أكبر من الرغبة في الحياة. كما أننا في ظل هذا الوضع المأزوم أدركنا أن ما ينقصنا حقا هو النحن بمعنى علاقتي مع الذوات الأخرى أما الحاجات والرغبات الخارجية تبقى ثانوية بالمقارنة مع الذات والذات المقابلة، فكم من حاجة لسنا بحاجة إليها.

في نهاية المطاف تبقى هذه العودة محمودة، إنها تدخل في إطار رد الاعتبار للذات فهي الأصل الذي وجب السعي من أجل الحفاظ عليه، وقد وعى الأنبياء و الفلاسفة والمتصوفة قيمة الذات لذا نجدهم حققوا تلك المصالحة مع ذواتهم، وهي دعوة إلى ”وجوب الاكتفاء بالذات، أي أن يجد المرء في ذاته كل ما يبتغيه: ”فالسعادة هي من نصيب المكتفين بذواتهم”[6] . كيف ما كانت الأسباب تبقى لهذه المصالحة مع الذات، دورها في خلق نوع من الاستقرار النفسي والاجتماعي فقبولنا للآخرين ما هو إلا تأكيد لقبولنا لذواتنا والرضا عنها، فـ ”كل الشرور مصدرها عدم الاختلاء إلى الذات والاكتفاء بالنفس”.[7]

كورونا وأفق المشترك الإنساني

إن الانتقال من الأنا إلى النحن أو التفكير في المشترك الإنساني هو هم طال انتظاره حقيقة فبالرغم من تزايد عدد الشعارات الدولية المطالبة بذلك، إلا أنه ظل مطلب تعذر على الإنسان تحقيقه اللهم في زمن الوباء، فأن يرتبط فعل المشترك الإنساني بوباء، كان من الأمور المستبعدة عن المخيال الإنساني، ولم يكن أكبر المتفائلين ليفكر في ذلك، لكن الذي حصل هو: انسلاخ وتخلي الإنسان عن أنانيته وأصبح يتملكه هاجس الآخر، ولنا في الحالة التي وصل إليها العالم اليوم أكبر دليل على ذلك، فالعديد من المبادرات أطلقت متجاوزة بذلك الحدود الجغرافية، وبالتالي فالطبيعة حققت ما عجز الإنسان عن تحقيقه، هي إرادة مجهولة تدفع بالإنسان لفكرة العيش معا، لاحتواء الآخر بالرغم من الإخلاف على مستوى الفكرة والمعتقد والجنس…، فدول لم تكن تسمح بالجهر بمعتقدات الآخر المخالف ودين الأقليات،  أصبح يتملكها اليوم وعي بذلك، ودول كانت إلى الأمس القريب تعتبر نموذج للتحضر باتت اليوم تستنجد بدول أقل حضوة منها، لقد خلق الوباء نوعا من التمرد على القواعد التي وضعها البشر سلفا، فلم يعترف بالقوة الاقتصادية ولا العلمية، لذلك تملك الإنسان هذا الشعور بالانتماء للإنسانية، وبالتالي مواجهته بالنحن بدل الأنا.

إن من حسنات الوباء أنه وحد كل الشعوب وجعل الهاجس الوحيد والأوحد هو تجاوز هته الأزمة، التي تشترط بدورها نوعا من التوافق بين كل الشعوب، فمن الواضح أن الأزمة بهولها لا يمكن أن يتجاوزها الأفراد، فهي هم مشترك بين بني الإنسان، وبالتالي العيش معا يفضي  بنا إلى مواجهة الأزمة معا، وهذا مبلغ الإيمان بالمشترك الإنساني. فإما أن نموت جميعا أو أن نحيا جميعا، ”وهكذا يجد التعايش مقامه المناسب هو أن نلتقي الغير فيما أبعد من قدرة الأنا”[8]

ولما كان من الصعب على الإنسان ”أن يكون الشخص الواحد موضوعا للتقدير والحب في آن واحد”[9] كان عليه البحث عن الآخر ليضفي على وجوده الرونق المفقود، وهي فكرة تهدف إلى مد جسور التواصل والتفاعل بين بني الإنسان،  وأضحت مطلبا مُلحا في وقتنا الراهن، الذي فيه ما فيه من السجالات والصراعات التي منبعها يعود إلى أصل واحد وهو التعصب(تعصب للفكرة-للمعتقد-للجنس…)، وبالتالي فالتعايش أصبح مسألة راهنية، ولعلنا اليوم أمام صور متعددة لتحقق هذا المطلب في أرض الواقع، ففيروس كورونا أسهم بشكل أو بآخر في تعميق الوشائج بين بني الإنسان، لمواجهة عدو واحد وهو الفيروس، وبالتالي تحقق الانتقال من الأنا إلى النحن، فما يهم الواحد فينا أصبح يهمنا جميعا، لنقل إذن أن الإنسان يحن إلى الإنسان كلما كان حجم الخطر أكبر، أو في الوضعيات التي يكون فيها العدو واحد وهو الطبيعة والبحث عن السيادة(السطوة على الطبيعة).

هكذا إذن يمكن اعتبار الوباء محطة من التاريخ تستوجب منا استخلاص الدروس والعبر، فإنسانية الإنسان فوق كل اعتبار، وهي دعوة لبداية عهد جديد، يؤمن بضرورة الآخر، فمتى تشكل لدينا الوعي بضرورة الغير نصبح قادرين على تجاوز كل الأزمات كيف ما كانت طبيعتها،  فالتفكير في العيش المشترك اليوم أضحى غاية مشتركة، وبالتالي وجب التفكير في استراتيجيات استمرار هذه  الغاية حتى بعد انتهاء هته الأزمة، على اعتبار أنه ضرورة عيش لا يرتبط فقط بلحظية  وزمن الوباء وإنما بسيرورات الحياة.

إن التفكير  فيما بعد كورونا ما هو إلا محاولة للتخلص من ربقة الحاضر ومن هذا القلق الوجودي الذي بات يتهددنا، إننا لم نعد نقوى على عيش الآن بتفاصيله المملة والمقلقة، لذلك نبني وهم الإنعتاق من شراك الفيروس وعناق غد أفضل قد يأتي أو لا يأتي، لكننا نأمله حقا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] : فن العيش الحكيم، آرتور شوبنهاور، ترجمة عبد الله زارو، منشورات ضفاف، ط1-2018 ص227.

[2] : بناء الكون ومصير الإنسان، هشام طالب، دار المعرفة،طـ1 -2006 ص 167

[3] : فن العيش الحكيم، آرتور شوبنهاور، ترجمة عبد الله زارو، منشورات ضفاف، ط1-2018 ص30

[4] : نفسه فن العيش الحكيم، آرتور شوبنهاور، ترجمة عبد الله زارو، منشورات ضفاف، ط1-2018 ص 30

[5] : مفارقات للسعادة لوك فيري، ترجمة ايمن عبد الهادي، التنوير للطباعة والنشر، ط1-2018 ص 202

[6] : الهجرة إلى الإنسانية، فتحي المسكيني، منشورات ضفاف، منشورات الإختلاف، ط1-، 2016، ص40.

[7] : فن العيش الحكيم، آرتور شوبنهاور، ترجمة عبد الله زارو، منشورات ضفاف، ط1-2018 ص181

[8] : الهجرة إلى الإنسانية، فتحي المسكيني، منشورات ضفاف، منشورات الإختلاف، ط1- 2016، ص40.

[9] : 9: فن العيش الحكيم، آرتور شوبنهاور، ترجمة عبد الله زارو، منشورات ضفاف، ط1-2018 ص181.

 

اظهر المزيد

حمزة بومليك

باحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية، أستاذ مادة الفلسفة، خريج كلية علوم التربية الرباط، تخصص علم النفس الإجتماعي، نشرت له مجموعة من المقالات العلمية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. حري بنا في هذا المقام أن نشكر كل الأقلام التي ما فتأت تنير لنا الطريق وتعيد صياغة مقترحات للتصالح مع ذواتنا من خلال إسدال سرادقات تشبه المرايا أو تشبه إلى حد ما أشعة إيكس كي يتسنى لنا من خلالها رؤية ذواتنا كي نضع أيدينا على مكامن الاعوجاجات التي خلفها تهافتنا على متع تتراكم علينا حتى أنها نتيجة هذا التراكم لم نعد نستشعر قيمتها …أين نحن من قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:من بات آمنا في سربه معافا في بدنه يملك قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها . أخوك رضوان بنكراب العثماني

  2. كلام يصب في صميم الحاله المعاشه بحيث وجدنا أنفسنا فجأة في عالم افتراضي يفرض نفسه حينها اكتشفنا قيمه الاخر……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق