الدراسات

في روح التفلسف: الجرأة الفكرية والعدة المنهجية

ملخص

إن التفلسف فعل إنساني على غرار جل الأفعال الإنسانية الحاصلة عن إرادة وتدبر من صاحبها. ولما كان الأمر كذلك، فإننا لا نتصور قيام فعل دون أن تكون هناك، أولا، مبادئ ودوافع لهذا الفعل، وموضوعا خاصا به ثانيا، وغاية ووظيفة ثالثا، وصورة أو هيئة رابعا، وأدوات ووسائل بها يتأدّى ويتوسل إلى غاياته ووظائفه. هذه هي العلل الخمس للفعل الإنساني خامسة. والتفلسف من هذا النوع من الأفعال الإرادية التي تقوم بها الذات الإنسانية. ولأنه كذلك، فإنه محكوم بالجهات الخمس المذكورة، كل جهة من هذه الجهات ينتج عنها أثر من الآثار التي تكشف لنا عن المعالم الكبرى لهوية المتفلسف.

وعليه، فانطلاقا من التمييز في الفكر الفلسفي بين البناء من جهة، والعرض من جهة ثانية، ومن التمييز في هذا الفكر بين النظريات الفلسفية والآليات النظرية الفاعلة في بناء هذه النظريات، ومن التمييز بين طريق يعرض لها وطريق يعيد الكشف عن الآليات التي أعملها الفلاسفة في تقرير أقوالهم وبنائها، أو لنقل: انطلاقا من التمييز في الفكر الفلسفي بين المادة والروح التي تعطي تلك المادة حيويتها وحياتها، وهي التي تسمى فعل التفلسف، ينهج كتاب روح التفلسف طريق استكشاف الآليات والمفاهيم النظرية التي توسل بها الفلاسفة في تقرير نظرياتهم وبنائها، أولا، وطريق التعريف بها وبيانها للقارئ العربي ثانيا، استكشاف وتعريف، يُصححان الفهمَ لتلك المفاهيم في أفق فسح المجال لإجرائها وإعمالها الإجراء والإعمال السليمين في سياق مخصوص هو المجال التداولي العربي الإسلامي.

غرضنا في هذه الدارسة أن نثير نقاشا مع الدعوى المركزية التي يحملها هذا الكتاب وننظر في بعض من الحجج المركزية والتفاصيل الهامشية التي جاءت في معرض إثبات تلك الدعوى المركزية.

مقدمة

صدر للأستاذ حمو النقاري عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع هذا العام (2017) كتاب روح التفلسف. يقع الكتاب في 105 صفحة ويتألف من خمسة فصول ومقدمة وخلاصات. وقد تزامن صدور هذا الكتاب مع صدور كتاب آخر له بعنوان من أجل تجديد النظر في علم أصول الفقه.[1] ولكنني في الواقع أود أن أربط ظهور روح التفلسف بعملين له في غاية الأهمية في نظري: الأول هو معجم مفاهيم علم الكلام المنهجية،[2] والثاني وهو كتيب آخر صدر منذ 17 سنة، وهو المشترك المنسي،[3] فضلا عن مقالات أخرى تنحو نحو استثمار الإمكانيات الدلالية للغة العربية في بسط مفاهيم كلامية (من علم الكلام) ومنهجية مستعصية واجتراح معاني فلسفية لطيفة.[4]

ليس القصد من إشارتي السابقة أن أحصر الكتاب لا في سياق تجديد النظرية الأصولية، ولا في سياق منطق الكلام ولا المنهجية الأصولية، وإنما أن أُنبه إلى تلك الروح السارية في كل كتابات النقاري تقريبا، وهي تغليبُ النظر في الآليات المنتجة للأقوال أكثر من النظر في مضامين تلك الأقوال؛ أو بعبارة أخرى، اختيارُ الدخول على هذه المضامين من مدخل الآليات التي بها أُنشِأت وعليها نسجت. ولهذا يبدو لي أن كتابات النقاري ليست في أصول الفقه ولا في أصول الدين، حتى وإن كانت تحمل أسماء هذه العلوم في عناوينها، وإنما هي بالأَولى كتابات في الآليات المنهجية التي تنتظم تلك العلوم وغيرها؛ ومن ثم فإن هذه العلوم ليست سوى مواضع لاستخراج تلك الآليات المنهجية واستنباطها.

ومع كل هذا، فإنني أعتبر أن كتاب روح التفلسف يحمل تحولا في اهتمامات النقّاري مقارنة بما سبقه من الكتابات؛ فعلى الرغم من كل أوجه الشَّبه بهذه الأخيرة، فإن الكتاب من حيث موضوعه مختلف عنها. يدخل كتاب روح التفلسف في جنس الكتابات المنظرة لتعلم صناعة التفلسف. وهذا في نظرنا هو السياق الفلسفي العام الذي ينتظم الكتاب. ولا بد من التذكير، هنا، بذلك الإشكال «البيداغوجي» المعروف لدى المهتمين بتدريس الفلسفة، والذي تحكم في كتابات الفلاسفة منذ إيمانويل كانط حتى ميشال طوزي، مرورا بفريدريك هيجل[5] وآخرين. ومقتضى هذا الإشكال يمكن صياغته في هيئة سؤال كالآتي: هل يجب تعلم الفلسفة أم تعلم التفلسف؟ والفرق بين التعلمين واضح: فنحن في الأول أمام مضامين ونظريات، وهي ما يشكل تاريخ الفلسفة، وفي الثاني أمام آليات أو لنقل فعاليات منهجية، وهي المسماة بالتفلسف أو بفعل التفلسف، وهي الوجه الصناعي من الحكمة. ومعلوم أن كانط كان قد ذهب، انطلاقا من هاجس بيداغوجي صريح، إلى أنه ليس بوسع المرء سوى تعلم التفلسف، أما الفلسفة فتظل أملا بعيدا؛ بينما ذهب هيجل إلى رد دعوة كانط والقول بضرورة تعلم المضامين الفلسفية. وفي ضوء هذا التعارض، يمكن للمرء أن يتساءل عن موقع كتاب النقّاري بالنسبة إلى هذين التقليدين، ومنه إلى الإشكال المشار إليه.

لاستكمال قراءة الدراسة يمكنكم تحميلها عبر النقر هنا 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2017).

[2] (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016).

[3] (تطوان: منشورات دفاتر المدرسة العليا للأساتذة، 2000).

[4] انظر على سبيل المثال: ”المشترك المنسي وترجمة المفهوم: المفهوم من ‘Prouver’ نموذجا،“ ضمن المفاهيم وأشكال التواصل، تنسيق محمد مفتاح وأحمد بوحسن (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001): 33-42.

[5] Immanuel Kant (1724-1807); Michel Tozzy (1942-…); Frederic Hegel (1770-1831).

اظهر المزيد

فؤاد بن أحمد

يشتغل فؤاد بن أحمد منذ 2009 أستاذا للفلسفة ولمناهج البحث بدار الحديث الحسنية، التابعة لجامعة القرويين، الرباط. وهو عضو في مجموعة من الجمعيات الدولية المتخصصة في الفلسفة والعلوم في العالم الإسلامي، ينصب اهتمام بن أحمد على تاريخ الفلسفة والعلوم العقلية في الإسلام، وخاصة على الفترة التاريخية التي تمتد من زمن أبي حامد الغزالي إلى ما بعد ابن رشد. من منشوراته: - ‘Three Masters and One Disciple: Ibn Ṭumlūs Critical Incorporation of Al-Farābī, al-Ġazālī, Ibn Rušd,’ In Andreas Speer and Thomas Jescke (eds.) Schüler und Meister, 39th KölnerMediaevistentagung (Berlin- Boston: De Gruyter, 2016). - موفق الدين عبد اللطيف البغدادي، الأعمال الفلسفية الكاملية، الجزء الأول، تحقيق وتقديم وفهرسة فؤاد بن أحمد (بالتعاون مع فدواش نظيرة ويونس أجعون) (بيروت- الجزائر- الرباط: منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف- دار الأمان: 2018). - ابن طملوس الطبيب والفيلسوف. سيرة وثائقية (بيروت- الجزائر- الرباط -تونس: منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف- دار الأمان- كلمة للنشر: 2017). - ابن طملوس، كتاب الأمكنة المغلطة وكتاب الجدل، تحقيق وتقديم وتعليق فؤاد بن أحمد (بيروت- الجزائر- الرباط - تونس: منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف- دار الأمان- كلمة للنشر: 2016). - منزلة التمثيل في فلسفة ابن رشد (بيروت- الجزائر- الرباط: منشورات ضفاف – منشورات الاختلاف- دار الأمان: 2014). - ’طريقة الجدل الفلسفي عند ابن رشد: المنافع والقيم والحدود،‘Mélanges de l’Université Saint Josef، 63، 2010-2011 (صدر في 2012)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أتَابع باهتمام بالغ أعمال الأستاذ فؤاد بن أحمد؛ حيث أعتبرها نموذجًا راقيًا للأعمال الأكاديمية.
    شكرا لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق