الدراسات

كيف نتناقش حول القيّم ونسوّغ لها؟ الخطاب العقلاني: من إلزاميّة البرهان إلى حِواريّة الحِجاج

تأليف: شاييم بيرلمان

ترجمة: أنــــوار طاهـــــــــر 

تقديم المترجمة:

يحاول فيلسوف البلاغة الجديدة ش. بيرلمان، في هذا المقال1 أن يعرض لأهم ركيزة منطقية/وأبستمولوجية فلسفية، يقوم عليها مشروعه في نظرية الحِجاج، وهي تتعلق بمفهوم الأستدلال وتاريخ نشأته وتحولاته المتمفصلة ضمن إشكالية العلاقة بين الفلسفة والبلاغة، والتي أفضت، في نهاية المطاف، إلى تسليط الضوء على أدلة الإثبات البرهانية، في مقابل الإهمال الكامل لأدلة الإثبات الحِجاجية، وبما ساهم، بشكل كبير، في استبعاد مجال تكوين القيّم وتشكيل الرأي من دائرة اهتمام المختصين في المنطق واللغة والبلاغة والفلسفة وعلوم الإنسان، باعتبارها تمثل الجانب الغير العقلاني؛ غير الموضوعي، أي غير العلمي.  وهو ما عبر عنه بيرلمان، بكل وضوح، في الصفحة الأولى من مقدمته لكتابه العمدة (رسالة في الحِجاج) الذي صدر في سنة 1958، بالقول: «إن إصدار رسالة مكرسة للحِجاج وارتباطه بالبلاغة والجدل الإغريقيين، يمثل قطيعة مع مفهوم العقل والاستدلال المنحدر عن ديكارت، هذا المفهوم الذي ترك بصمته على الفلسفة الغربية طوال القرون الثلاثة الماضية»2.   

كيف نتناقش حول القيّم ونسوّغ لها؟

الخطاب العقلاني: من إلزاميّة البرهان إلى حِواريّة الحِجاج

مثلما هناك عبارات لأحكام يمكن أن يتفق الناس عليها بسهولة تامة، كما هو الحال في الأقوال الرياضية وبعض الأقوال المعبرة عن وقائع معينة، توجد بجانبها عبارات أخرى لأحكام كانت موضوعاً لجدالات قديمة ومتوارثة منذ الأف السنين، والتي كانت تتوقف من وقت لآخر لتعذر وجود المتحاورين، لكن من النادر جداً ما تستكمل وتنتهي كلياً بسبب التوصل لاتفاق مُرضٍ بشأنها.

وبغية التحقق من الحالة هذه، تم اعتماد مجموعتين من التفسيرات الكلاسيكية، الأولى منهما تفترض أن عدم وجود اتفاق بشأن عبارات أو تعبيرات الأحكام propositions إنما يرجع لبعض من النقص أو القصور؛ والألتباس ولإنعدام الدقة والوضوح في طريقة صياغة المسائل موضوع الجدال، أما الثانية فتسعى لتفسير خلاف أولئك الذين يدافعون عن آراء متباينة، عن طريق إدخال عنصر ما ذو طبيعة غير عقلانية مثل الانفعالات والأهواء والمصالح أو بعض السمات الفردية الأخرى.

بالنسبة للفلاسفة العقلانيين، تنجم حالة عدم الاتفاق عن خلل في تقنيات الأستدلال، أي عن عدم التوفر على منهج سليم يساعدنا في توجيه أفكارنا وإرشادها، والذي يفترض، من حيث المبدأ على الأقل، أنه لا بدّ وأن يكون لكل مشكلة حلّ عقلاني. في المقابل، فإن أولئك الذين يعتقدون أن مثل هذا الحلّ غير ممكن الوصول إليه دائماً، بسبب وجود عناصر غير عقلانية تنطوي على تنافر وتضاد بين بعضها البعض، فقد افضى بهم، ذلك، إلى التمييز بين نوعين من الأقوال وهي أحكام واقع jugements de réalité يمكننا التوصل لأتفاق كلي وعام بشأنها، وأحكام قيمة jugements de valeur لا يمكننا أن نتوقع تحقيق اتفاق من هذا القبيل حولها.  

تبعاً لهذا المنظور الأخير، فإن أي محاولة لبناء «منطق أحكام للقيمة» ينبغي عليها أن تعمل جاهداً على عدم الاقتراب من تلك العناصر غير العقلانية، وأن تتجنب أي تدخل من قبل هذه الأخيرة في المنطق الذي نعتزم بنائه أو، على الأقل، اعتباره كمقدار ثابت محدد بواسطة افتراض hypothèse [يتكون من عبارة واحدة أو مجموعة من عباراتِ أحكام تُساق بشكل يجعلنا نتوصل منها لإستنباط نتائج منطقية بديهية]. في إحدى هذه الحالات يتم دراسة إلى أي مدى ينطبق أشكال أبنية الأستدلال الإستنباطية schémas déductifs المستعملة عادة، على أحكام يمكننا اعتبارها صادقة أو كاذبة، وفي الحالة الثانية يكون الاهتمام مُنصّب على القيمة التي ينبغي إسنادها إلى وسائل معينة لتحقيق قيّم-غايات نفترضها ثابتة غير قابلة للتبدل ولا التغير، ويتم التساؤل إلى أي حدٍ يمكن للرابطة السببية أن تتيح لنا منح السبب جزءًا من القيمة المتفق على إعطائها للمفعول. لكن، تركيب هذا البناء برمته إنما يستتبع، على سبيل الأفتراض، وجود اتفاق حول جميع العناصر التي تخضع للفحص والأختبار، وكأنه قد تم القضاء على جميع المشاكل مرة واحدة، وبطريقة سحرية.     

يبدو لنا، أنه من غير الممكن أن نأمل في إحراز أي تقدم ملموس في دراسة الطريقة التي بواسطتها نفكر ونستدل؛ ونتناقش ونصوغ المبررات والحُجَج حول القيّم، ونحن نفترض مسبقاً أن مثل هذا الشكل من الأستدلال يتطابق مع النماذج الواردة من الأستدلال الرياضي، أو حتى من المنهج الأستقرائي méthode inductive. إن ما ندعوه، وبطريقة غير واضحة نوعاً ما، باستعمال مَلَكة التفكير/والأستدلال وتفعيلها في الممارسة العملية، لا يقتصر بالتأكيد على تطبيق أشكال الأستدلال الأستنباطية التي يدرسها المنطق الشكلاني/الصُّوري، ولا حتى على تطبيق قواعد المنهج الأستقرائي. في الواقع، إن المعنى المراد من كلمة raisonner هو لا يشير فقط إلى البرهنة والإثبات، بل ويشير كذلك إلى تداول قضايا وآراء والنقاش délibérer فيها وتقديم المبررات لها بالاستناد إلى الحُجَج argumenter. فطريقتنا في التفكير/والاستدلال بشأن القيّم إنما هي تتكون بصفة أساسية داخل خطاب حِجاجي، سواء كان يتعلق الأمر بالنظر في المسألة والمقارنة بين ما يقع لصالحها أو ضدها من الحُجَج -ونحن نتحدث هنا عن مداولة خصوصية بين المرء ونفسه-، أو إذا كان يتعلق بمحاولة جعل الآخر على يقين عقلاني/منطقي، أو باللجوء إلى الأستدلال النظري بصورة تجريدية in abstracto، أي الخطاب الذي يتوجه إلى الجميع. لهذا السبب، أرى أن الطريقة التي نفكر ونستدل بها حول القيّم، بل وأود أن أُزيد عليها، حتى الفكرة نفسها القائلة إننا نشكل القيّم ونُصيغها ونكوّنها، لا يمكن تصورهما من دون نظرية عامة في الحِجاج.

وعلى خلاف البرهان الشكلاني/الصُّوري، الحِجاج ليس بقسريّ ولا إلزاميّ ابداً، فدائماً يبقى هناك شيء يمكن قوله لصالح الأطروحة المخالفة. وإذا كنا لا نستطيع أن نتخيل رياضيين أثنين يبرهن أحدهما على صحة أطروحة والأخر على صحة نقيضها، بالاستناد إلى نفس النظام البديهي المتسق المترابط بثبات وإحكام، فإنه يمكننا أن نتصور ونستوعب تماماً أمكانية أن يتناقش شخصين أثنين عن حسن نية، وأن يتحاجج كلاهما لصالح أطروحتين متعارضتين، دون أن يكون لدى أحد المتحاورين اليقين القطعي بحمل الأخر على التسليم بصحة أطروحته الخاصة وزيف الأخرى المخالفة. وإذا كان يتعين على القاضي بعد الأستماع إلى كلا الطرفين، الفصل في الدعوى ليتخذ القرار في الحكم الصادر، فمن النادر جداً أن يتوصل إليه باعتماده فقط على الخبرة أو على حساب يمكن أن تقوم به آلة وتتحكم فيه. وهو أمر يتشابه فيه الأستدلال على القيّم، إلى حد كبير، مع الحِجاج القانوني أكثر من الاستنباط الرياضي، مع عدم إغفال النواحي التي يختلف عنه فيها. لأنه في الحِجاج القانوني الذي يسعى إلى تحديد الكيفية التي يجب فيها تطبيق نظام قانوني شرعي في موقف مشخص ملموس، فإن المسألة تتعلق هنا بتقديم أدلة إثباتية تجعل من التفسير المطروح لنص مادة قانونية يبدو هو الأفضل في الحالة الراهنة، لكن، هذا النص القانوني نفسه كان قد تم فرضه على أطراف لا يجوز لها الطعن سوى في طريقة تطبيقه وحسب. ومن وجهة النظر هذه، فإن النظام système القانوني يشبه نظرية استنباط البديهيات وتنظيمها في مختلف العلوم axiomatique والتي هي نظرية تقترح الأُطر المنطقية للأستدلال، لكن مع اختلاف جوهري وهو أن هذه البديهيات المفروضة لها معنى واحد في مختلف استعمالاتها ولا لبس فيها، مما يقضي على أي مشكلة في التفسير قد تعترض تقنية الأستدلال الأستنباطي. إلا أنه في القانون، تنشأ معظم المشاكل الرئيسية، تحديداً، عن الواجب الذي يُلزم القاضي بتفسير القانون لتطبيقه على حالات جديدة، حتى لتلك غير المتوقعة من قبل المشرِّع. فلو كان القانون واضحاً لا لبس فيه على الأطلاق، لما ترافع أحد عن أي دعوى أمام القضاء، ولاكتفى الجميع بتعيين الوقائع والتثبّت منها بدقة وحسب.  

حينما لا يتعلق الحِجاج بتفسير متون النصوص، كما هو الحال في القانون أو في اللاهوت، فالتحدي الأول يتمثل في أن كيفية بناء استدلالنا وتدعيمه بالإستناد إلى أطروحات/أو فرضيات/أو آراء/أو اعتقادات يقبلها أولئك الذين نتوجه إليهم بخطابنا، لأن الحِجاج يجب أن ينسجم مع الجمهور المخاطَب. فلا يكفي، إذن، أن يتم النظر لتلك الأطروحات/الفرضيات/الآراء/الاعتقادات على أنها صحيحة من قبل المتكلم فقط، لأنه إذا لم يقبلها المخاطَبون، فيمكنهم اعتبار أن حِجاجه قد تم بنائه، بالكامل، على أساس المصادرة للمطلوب إثباته. ومبدأ المصادرة على المطلوب إثباته هذا، والذي كنا نحسبه خطأ منطقي منذ عدة قرون، هو خطأ حِجاجي، وإذا ما تمَّ اختزال المنطق إلى مجرد عملية أستنباط يرتكز على مجموعة بديهيات متسلسلة تم تشييدها مسبقاً، فلن نتمكن من فهم ما الذي يمكن أن يقوم عليه، فِعْلاً، مبدأ المصادرة على المطلوب إثباته.

من ناحية أخرى، إن تأييد* adhésion أذهان المخاطَبين أو انضوائها وتعزيزه نحو أطروحات/أو فرضيات/أو آراء/أو إعتقادات معينة، والذي هو نقطة شروع ومَآل أي حِجاج، إنما هو تأييد يظهر بشدة* intensité تتفاوت في مستويات تحولها وتغيرها. أما زيادة هذا التأييد وتنمية تمسك المخاطَبين ودعمهم لتلك الأطروحات/أو الفرضيات/أو الآراء/أو الإعتقادات فهو أمر في غاية الأهمية، لأن هذه الأطروحات، التي نؤيدها ونتبناها ونشترك فيها، يمكن أن تتعارض الواحدة مع الأخرى في مواقف أو حالات معينة، لذلك نحن نلجأ في أغلب الأحيان إلى النقاش والحِجاج بغية توجيه اختياراتنا، ولتبرير أحكامنا وميولنا المُفضِّلة لشيء أو لقيمة معينة دون أخرى. ولنأخذ مثلاً بسيطاً لطفل تربى على عدم الكذب وعلى طاعة والديه، فماذا سيفعل إذا أمره والده، في موقف معين، أن يقوم بالكذب؟ هناك العديد من الحلول يمكن أن تكون ممكنة ومن المحتمل أن تتشكل إما إثناء إعادة ترتيب تسلسل المراتب الهرمية للفرضيات/أو الأطروحات أي للحُجَج غير المتوافقة بين بعضها البعض، وإما أثناء تعديلها وتنظيمها من جديد، فمن غير الممكن التنبؤ بنتيجة التعارض بين الحُجَج بصورة قطعية جازمة، لأن أشكال الأبنية الاستدلالية للمنطق التَّشاوري délibérative والحِجاجي argumentative لا تظهر بطابع الأستحكام والصرامة التي تبدو عليها أشكال الأبنية الاستدلالية للمنطق الأستنباطي، إضافة إلى أن أدلته الإثباتية ليست إلزامية ولا قسرية كما تكون عليه الأدلة الإثباتية في المنطق الشكلاني/أو الصُّوري، فهي تستدعي، بالأحرى، تلك الأدلة الإثباتية التي اصطلح عليها الفيلسوف أرسطو في مؤلفه الطوبيقا بأدلة الأثبات الجدلية preuves dialectiques التي نستعملها في مناقشة المبادئ العقلانية الأولى، وفي أي حِجاج يهدف إلى الإقناع، على حد سواء. ونلاحظ، في هذا الصدد، أنه يوجد تشابه واضح، لا يمكن إنكاره، يجمع ما بين مفهومنا الخاص للحِجاج، نظرية وممارسة، وبين البلاغة كما تصورها القدماء3.   

في عصور الحضارات الاغريقو-رومانية القديمة، كانت البلاغة هي فن الخِطابة بشكل مُقنِع في ساحات التجمع العامة. فإذا ركزنا اهتمامنا على الحِجاج نفسه، شفوياً كان أم مكتوباً، وليس على كيفية جعله معروفاً كذلك، ومن جهة أخرى، إذا لم نقصر جمهورنا من المخاطَبين، أولئك الذين نريد أن نثبت لهم باليقين العقلاني/المنطقي، على مجرد حشد غير عارف متجمع حول ساحة الأغورا اليونانية العامة، بل نتوسع في تطلعاتنا، لنتصور أمكانية مخاطبة جماهير متنوعة بشكل لا متناهي بدءًا من الشخص الذي يتشاور في سِرّه، وصولاً إلى الحِجاج الذي يهدف لتعزيز كل قيمة ماديّة كونية، أي، لتكوين مجتمع إنساني، كما نتصوره، raisonnable قادر على إنتاج تقنيات عقلنة جديدة على مستوى التفكير والفعل تتوافق مع العقل العملي ، عند ذلك، سنرى أن بلاغة القدماء تمثل حالة مميزة للغاية، سيتعين على نظريتنا في الحِجاج الاهتمام بها.

إن النقطة المركزية في كلا المفهومين هي فكرة «الجمهور المخاطَب» auditoire التي لا يجوز معها أن يغيب عنا أن الأمر يتعلق بالحصول على تأييد عقول المخاطَبين. لكن، «الفاعلية المؤَثِرة» efficacité ليست هي المعيار الوحيد في تحديد قيمة الحِجاج، لأننا نلاحظ أن الحُجَّة الأكثر فاعلية عند جمهور غير عارف، يمكن أن تكون مدعاة للازدراء عند فيلسوف، بل يوجد عنصر أخر يجب أن نضعه بعين الاعتبار، وهو يتعلق بسمات الجمهور المخاطَب أو بقدراته النوعية التي نستهدفها في خطابنا بغية تسليط الضوء عليها وإعادة تشكيلها وتكوينها من جديد. فإذا كان كل ما يجب علينا فعله من أجل تعريف معنى الحِجاج ذو القيمة الصحيحة والمقبولة valable من الناحية الموضوعية، أن نتخيل، مثل الفيلسوف إفلاطون في محاورته فايدروس، شكل ذلك الحِجاج المؤَهل «لجعل الآلهة أنفسهم على يقين». فإن الجمهور الإنساني الذي يمكن لنا أن نتخيل أنه الأكثر كمالاً، هو ذلك الجمهور المتألف من «المكوَّن البشري ذو القدرة العقلية التي تؤهله لتطوير مهاراته في التفكير والاستدلال بصورة مستمرة» humanité raisonnable، والذي ينبغي أن نكسبه شكلاً أو قالباً محسوساً يتجسد في أنموذج يتكون في صيرورة الوجود التاريخي لموجود أو جماعة معينة.

وإذا توجهنا بخطابنا لمثل هذا النوع من الجمهور، فلا يمكننا أن نستند سوى على القيّم التي نعتبرها كونية؛ أو عُمُوميّة، لأننا نفترض أنها قيّم مقبولة من قبل جمهور نموذجي auditoire-modèle. وهكذا، يمكننا أن نطلق صفة rationnelle عقلاني على أي حِجاج يُطبق في مجال الإقناع، مبدأ الواجب الأخلاقي القطعي المطلق للفيلسوف كانط، وذلك لأنه حِجاج لا يعتمد سوى على الحُجَج التي ستكون مقبولة ومعترف بها من قبل جمهور كوني.    

إن القيّم الكونية؛ أو العُمُوميّة universelles بقدر ما هي قيّم تجريدية abstraites، مثل قيّم العدالة؛ الحرية وغيرها، فهي غالباً ما يشوبها الغموض والألتباس، ويفترض استعمالها، في الوقت نفسه، أن يتم تحديد معناها بالدقة المضبوطة التي من النادر أن تتجنب الوقوع في التعريف الاعتباطي. من جانب أخر، إذا كان حِجاجنا يرتكز على قيمة مادية ملموسة تتعلق بموجود أو جماعة معينة، فمن المهم أن نسلط الضوء على ما تحمله من طابع قيمي كوني؛ أو عُمُوميّ، من هنا تأتي أهمية الاستعانة بأفكار مثل فكرة المتعالي والإنسانية في الحِجاج. غير أن الطريقة التي يتم فيها النظر لمثل هذه القيمة، يمكن أن تكون مدعاة للنقاش فيها من جديد.

 وحينما يتعلق الأمر بتحديد المعنى الذي نتفق على إسناده للقيّم التي نستعملها ونتداولها يومياً، يظهر التعارض بين «ظاهر واقع» apparence-réalité. فما يتم تحييده وإزالته من القيمة المُسلَّم بها، سيعامل على أنه ظاهر، وما يتم الإبقاء عليه والاحتفاظ به، سيعتبر أنه جانب واقعي حقيقي. وبهذه الطريقة، سنعارض قيّم الحرية؛ العدالة والديمقراطية، بوصفها قيّم ظاهرية (وسندعوها كذلك، بقيّم زائفة أو كاذبة؛ وهمية؛ لفظية؛ شكلية أو رسمية)، مع ما ندعوه بقيّم الحرية الحقيقية والعدالة الحقيقية والديمقراطية الحقيقية. إن ما يتم الاحتفاظ به أو إزالته من محتوى مفهوم معين، والذي يشير إلى قيمة إيجابية أو سلبية، سيكون موضوعاً ينبغي التوصل فيه لقرار، ليس من الممكن تقديم المبرر justification لاتخاذه دون اللجوء للحِجاج.

ومن أجل صياغة هذا المبرر، عادة ما يتم الاستعانة بـ«أشكال استدلال حِجاجية» schémas argumentatifs لم نفكر في إدماجها داخل منطق أحكام القيمة logique des jugements de valeur، لأننا قيَّدنا مجال هذا المنطق بصورة اعتباطية، وتحت تأثير النزعة النفعية، وجعلناه يقتصر على دراسة العلاقة القائمة بين «الغاية الوسيلة»، لكن، في الواقع، ليس من الممكن لأي حِجاج له تأثير فاعل ملموس وليس تجريدي على تشكيل القيّم، الأستغناء عن مثل هذه الأساليب الحِجاجية. ولا يمكننا، في هذا المقام، إلا أن نشير إلى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر.     

من بين أشكال الأستدلال الحِجاجية، لا بدّ من التنويه، أولاً وقبل كل شيء، إلى تلك الأساليب التي جاء الفيلسوف أرسطو على تحليلها في مؤلفه الطوبيقا واصطلح عليها «مواضع معرفة/واعتقاد مشتركة» lieux communs، مثل تفوق وسُمُوّ مكانة الأكثر دواماً؛ الأكثر استعمالاً؛ الأكثر قياساً عليه باعتباره طبيعي أو عادي أو بديهي أو سويّ؛ ما يخدم أكبر عدد من الناس؛ ما كان مبدأ أو شرط؛ ما هو أعمّ؛ أو الذي يغطي حتى على ما يتم مقارنته به أو تشبيهه، لكونه حالة لها خصوصية معينة. مع هذه المواضع التي لها ملمح كميّ قابل للقياس عليه بمقدار دقيق؛ كلاسيكي وعقلاني، يمكننا أن نعارضه بمواضع أخرى تنحدر عن وجهة نظر كيفية نوعية؛ رومنطيقية، وغير عقلانية، وهي مواضع تؤكد على سُمُو قيمة المتفرد؛ النادر؛ الاستثنائي المؤقت العارض؛ الصَعْب الشاقّ؛ والأصيل، المتعذر تعويضه واستبداله4.

وتوجد أشكال استدلال حِجاجية أخرى تنشأ عن روابط rapports [تعبر عما تكونه الأشياء بالنسبة لأخرى غيرها، هذه الأشياء التي نجمعها مع بعض بروابط مثل التشابه والمماثلة والاختلاف والتتابع والسببية، عن طريق عملية التفكير والاستدلال] لا سيما تلك الروابط الموجودة بين قيّم إيجابية أو سلبية مُسلَّم بها وبين تلك القيّم التي نسعى لتعزيزها والارتقاء فيها. فهي تارة تكون روابط لوسيلة أو لعقبة أو مانع؛ وفي تارة أخرى تكون روابط ناتجة عن حقيقة أن قيمة معينة قد تم أو لم يتم التضحية بها من أجل قيمة أخرى. من هنا، تتأتى أهمية السَّوابق القضائية في العدالة من حالة المقارنة التي يمكن أن نعقدها بين موقف جديد وأخر سابق تم إقرار قيمته والأعتراف بها من قبل. إن الحِجاج بالنموذج modèle والنموذج المضاد antimodèle، والإشارة إلى كائن معين ينبغي علينا إما بذل قصارى الجهد لنكون مثله، أو تمييز أنفسنا عنه بأي ثمن، هو حِجاج يحدد ما سنتخذه من أساليب محددة للسلوكيات والأحكام القيّمية على السواء. وداخل هذا السياق، يتم تضمين حُجَّة السلطة argument d’autorité وإدراجها والتي نسعى من خلالها إلى نقل وتحويل السلطة من الشخص الذي يتمتع بها إلى الأحكام التي قد يكون من الممكن انه نطقها وصرّح بها، ونحن نعرف مدى الأهمية العظيمة للنماذج الإنسانية والأجتماعية (اليوتوبيات، على سبيل المثال) التي تكون مُلهمة لمجتمعات معينة.

أما سلسلة المراتب الهرمية المسلَّم فيها والمتعارف عليها (من أمثال: البشر-الحيوانات؛ الآلهة-البشر؛ الكبار  الراشدون-الصغار الأطفال؛ النبلاء-الأدْنياء، والأحرار-العبيد)، فهي تلعب دوراً كبيراً داخل الأبنية الشكلية الأستدلالية للحِجاج حيث من خلال الاستفادة من العلاقات القائمة بين الأشخاص وأفعالهم الكلامية الأنجازية actes التي يؤدونها [وتشمل كل ما يصدر عنهم من أساليب تعبير؛ ردود فعل عاطفية؛ تصرفات لاإرادية؛ أحكام قيمية، وما يقومون من أعمال ملموسة actions]، ينتهي بنا المطاف، إلى إخضاع تصنيف أفضلية هذه الأفعال بطريقة تتطابق مع تصنيف المراتب الهرمية للكائنات أنفسها. هذه الحُجَّة التي ندعوها بحُجَّة الهرمية المضاعفة double hiérarchie، يمكن أن تستعمل في جميع الحالات التي يوجد فيها رابط مماثل لذلك الذي نقيمه بين الشخص وأفعاله الأنجازية الكلامية، كالرابط بين جماعة وأعضائها؛ بين نمط أسلوب وأعمال فكرية وثقافية؛ بين عصر وأحداث أو مؤسسات تميزه، وبشكل عام، بين الجوهر essence والفعل الأنجازي الكلامي الذي هو بَيَانه المعبر عنه.   

 [بقولنا إن داخل أي مماثلة يوجد رابط بين أربعة حدود تتكون من الزوج الأول (أ، ب) وهو موضوع الخطاب thème، ومن الزوج الثاني (ج، د) phore الحامل لصور التماثل وبفضله يتم نقل وتحويل الصفات الإسنادية، بناءًا على أن المماثلة الحِجاجية هي تشابه بين الروابط الموجودة بين تلك الحدود]، فإن حُجَّة الهرمية المضاعفة تمثل جانباً مميزاً لحُجَّة القياس بالمماثلة analogie التي يتم فيها الاستفادة من العلاقة القائمة ما بين «أ ب» بغية تعيين وتحديد العلاقة القائمة بين «ج د»، فتارة، لا تشتمل المماثلة سوى على ثلاثة حدود مختلفة، لأنه قد تم تعيين هوية كل من الحدين «ب ج» على أنها متطابقة، وتارة أخرى، يكون الحد «د» مجهولاً وينبغي على القياس بالمماثلة أن يجعله معروفاً.    

إن الدراسة التجريبية والتحليلية لجميع الوسائل الحِجاجية المستعملة في أستدلالاتنا حول القيّم، والتي لطالما تم تجاهلها في العصر الحديث، وجرى فحص جوانب معينة منها في رسائل القدماء في البلاغة والطوبيقا، إنما هي تستحق الأهتمام فيها من جديد. فهي التي سوف تمكننا من التوصل إلى تعيين مفهوم للعقل لا يتقيد بأشكال الأبنية الاستدلالية التي حددها واستنتجها المنطق الشكلاني/الصُّوري logique formelle، فإلى جانب العقل البرهاني والحسابي، يوجد، في الواقع، العقل الذي يتداول ويتحاور ويتناقش ويتحاجج. وبغياب رؤية أكثر انفتاحاً للعقل، والتي من شأنها أن تتيح لنا أن نفهم ما يعنيه اتخاذ القرار والاختيار عن وعي وبصيرة، يصبح تأسيس مفهوم عقلاني للحرية والمسؤولية الإنسانية ضرباً من المستحيل. وبجانب المفهوم الديكارتي للحرية، والتسليم ببداهة المبادئ والتمسك فيها، هناك مجال لمفهوم الحريةالالتزام liberté-engagement حيث نكون في مواجهة حُجَج مؤيدة ومعارضة، وهي حُجَج ليست بإلزامية ولا قسرية لأي من الجانبين، ونقرر أن بعضها يتمتع بأهمية وثقل أكبر من الأخرى، وأننا ملتزمون بهذا القرار. وهذه هي حرية الأنسان أثناء تأديته لأعماله، وهي حرية القاضي في المحكمة، والتي تستلزم مسؤولية فردية. هكذا، فأن أتساع نطاق مفهومنا للعقل والذي لم يعد يحصر العقلاني بالتحليلي، يفتح حقلاً جديداً أمام تحقيقات المناطقة، للبحث بأشكال من العقْلنة في أساليب التفكير والأدراك والأستدلال والحوار والنقاش لم يزل عقلنا، حسب الفيلسوف باسكال وعلماء المنطق في الفترة المعاصرة، على جهل بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) Ch. Perelman :  Comment raisonnons-nous sur les valeurs?, Un article publié dans  Algemeen Nederlands tijdschrift voor wijsbegeerte en psychologie, 47(3), 1955,  1-5.

(2) Ch. Perelman & L. Olbrechts-Tyteca : La Nouvelle Rhétorique … Traité de L’Argumentation, Paris, P.U.F, 1 vol., 1958, p. 1.

(3) يُنظر: شاييم بيرلمان: من العقل الأبدي الى العقل التاريخي، مقال مترجم قيد الإنجاز.

(4) للمزيد حول مواضع المعرفة/والاعتقاد الكمية والكيفية، يُنظر:

شاييم بيرلمان: فلسفة البلاغة الجديدة، مقال (نحو نظرية ابستمولوجية في الحِجاج…الطوبولوجيا الكلاسيكية والرومنطيقية أنموذجاً)، ترجمة: أنوار طاهر، مراجعة وتقديم: أبوبكر العزاوي، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع-الأردن، ص ص. 99-117. (المترجمة)

[] ما بين القوسين يعود للمترجمة. وفيما يتعلق بمفاهيم بيرلمان تحديداً، تم العودة الى مؤلفه العمدة (رسالة في الحِجاج):

Ch. Perelman & L. Olbrechts-Tyteca : La Nouvelle Rhétorique … Traité de L’Argumentation, Paris, P.U.F, 2 vol., 1958.

 (*) النجمة هي رمز مثبت على مفاهيم محددة ضمن متن النص، يُشير إلى إمكانية الاستزادة حولها، بالعودة لقائمة مسرد المصطلحات.

مسرد المصطلحات:

adhésion : مصطلح التأييد [وليس التسليم خضوعاً وإذعاناً كما هو شائع خطأ في اغلب الترجمات والمؤلفات العربية في البلاغة والحِجاج] يشير استعماله غالباً إلى الموافقة المعطاة لمبدأ أو لعقيدة أو لأيديولوجيا مسيطرة. وهذا يعني أن التأييد يستدعي المشاركة والانضواء تحت الطريقة نفسها في النظر والإدراك لمعايير الأخلاقيات المتداولة، لهذا يمكن أن تعد صياغة التأييد هي صياغة لتعددية الانتماء إلى الأيديولوجيات التي لها من القوة والتأثير المماثلين لتلك الخاصة بسلطة مشيدة وراسخة لكنه يختلف عنها بكونها قابلة على الدوام للسؤال والنقاش والمراجعة والجدال. بعبارة أخرى، أن التأييد هو مشاركة في صناعة الآراء والاعتقادات doxa لان آثار تأييد وتصديق رأي معين ستضع القيّم المحمولة فيه موضع صيرورة دائمة.  للمزيد، يُنظر:

ADHÉSION dans : La Nouvelle Rhétorique … Traité de L’Argumentation, 2 vol.

ADHÉSION dans : Le Dictionnaire du Littéraire, Sous la direction de Paul Aron & Denis Saint-Jacques & Alain Viala, Paris, P.U.F, 2éd., 2010, p. 6-7.

Intensité- : مفهوم الشدة –يؤكد بيرلمان– انه لا يقتصر على تحصيل نتائج على مستوى التفكير فحسب؛ ولا الى الإعلان فقط عن ترجيح رأي؛ فكرة؛ فرضية أو أطروحة واحدة أكثر من غيرها، بل وغالبا ما سوف يفضي تعزيزه الى الدفع نحو إنتاج الفعل الذي كان ينبغي عليه إثارته من البداية. للمزيد يُنظر:

La Nouvelle Rhétorique … Traité de L’Argumentation, Tome 1 : les cadres de l’argumentation.

لتحميل نسخة PDF من الترجمة يمكن النقر هنا 

اظهر المزيد

أنوار طاهر

باحثة ومترجمة عراقية-متخصصة في الدراسات الفلسفية والحِجاجية. حاصلة على الماجستير في الفلسفة-كلية الآداب-جامعة بغداد. لها مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة في مجلات عربية اكاديمية محكَّمة. حاصلة على جائزة العلوم في الفلسفة-العراق في عام 1999. صدر لها مؤخرا، الكتاب الموسوم بـ (فلسفة الحِجاج البلاغي) مراجعة وتقديم البروفيسور أبو بكر العزاوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق