المقالات

آية الميثاق في الخطاب الصوفي وسؤال الله

 

الحكاية المركزية لخطاب الذات (التصوف) تنص على أن الإنسان لم يوجد بعفوية خالصة، ولم ينتقل من العدم إلى الوجود دون الوقوف للحظة على خط العبور الفاصل بين الحالتين. الوجود مسؤولية كبرى، وسيبدو من العبث دخول الإنسان فيه دون أن يعرف مالذي يعنيه الوجود الذي سيصبح جزءاً مركزياً منه. الوجود الإنساني ليس مجرد معطى أعمى، وليس هبة مجانية، نعم هو هبة، ولكن هذه الهبة توجب مقابلها، إنها مثل الهدية التي تبدو مجانية ولكنها تقتضي الرد، وهذا هو ثمن الوجود الإنساني. لقد عَبَر الإنسان من العدم إلى الوجود بعد أن وافق على رد الهبة التي مُنحت له، أي منحة الوجود، وكأن الأمر بدا وعداً من الإنسان على الرد دون إلزامات مقررة ترغم الإنسان على ذلك. إن الإنسان الذي وعد برد هبة الوجود سينسى وعده، سينسى ميثاقه مع الله الذي وافق عليه، وسيعتقد أن هدية وجوده هي مجرد هدية لا تستدعي منه أي مقابل، فهي أُعطيت له فقط لأنها أعطيت له عن طيب خاطر من الله ولا شيء يُلزم أو يُشعر هذا الموجود الإنساني أن دخوله للوجود كان منذ البدء مرتبطاً بموافقته على التصرف بهذا الوجود وفق الشروط التي أقر بها من أجل مغادرة العدم. كان من الممكن للإنسان أن يبقى في العدم، وليس هناك شيء أسهل من تصور أمر كهذا. لا شيء يجعل من الوجود الإنساني ضرورة، ولكن مع وعد الإنسان بتقدير قيمة الوجود يجعل لا شيء أكثر ضرورة من وجوده.، فهو الكائن الذي يجب أن يجعل من الحقيقة مسؤوليته الخاصة.

الحياة إذن ثمينة وذات معنى، ولايجب التفريط فيها، بل على العكس يجب استثمارها من أجل معنى كبير يمكن لنا أن نرد الهدية من خلال تحقيق هذا المعنى. لكن ماهو هذا المقابل، وكيف يمكن القيام به، وكيف يشعر الإنسان بأن عليه أن يقوم بذلك؟ هذا ما جعل خطاب الذات يركز على الآية القرآنية التي تشرح هذا المقابل أو المسؤولية التي على الإنسان أن يتولاها، إنه الميثاق الذي وافق عليه قبل وجوده في العالم، بل ربما كان قبوله هو شرط وجوده، “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” (الأعراف: 172-173.)

لقد شهد الإنسان على أن الله ربه الوحيد قبل وجوده حين كان في عالم الذر أو العدم، ولكن هذه الشهادة لم تكن كافية لعبور قنطرة العدم، فالشهادة تعني إلزامات تتجاوز الموافقة الشفهية، لأن الاعتراف أو الشهادة بوحدانية الربوبية لاتتوقف عند كلمة نعم، هذه الموافقة تستدعي بالضرورة المسؤولية التي تنص على اليقظة الدائمة على هذه الحقيقة، حقيقة الوحدانية، أي أنه من الضروري للإنسان أن يجعل الحقيقة التي أقر بوحدانيتها موضع تفكر دائم وموضع اعتراف دائم ومصدر تطلع يستولي على حياة الإنسان كلها. ولا يملك الإنسان سوى لحظة قصيرة ليفعل ذلك، إنها لحظة حياته أو لحظة بقائه حياً، لأنه لن يتاح للإنسان في اللقاء الثاني مع الله بعد الموت تقديم أي نوع من الأعذار التي ربما يتذرع بها لتبرير انتهاكه العقد الإلهي وتبرير إهماله للحقيقة، فالإنسان وافق على هذا الميثاق بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً وليس مجرد عبد، كما يقول ابن عربي، حيث ليس من المنطق أن تؤخذ من العبيد المواثيق، أما الإنسان فقد تبادل مع الله شروط الميثاق بوصفه كائناً حراً، والحرية هي المبدأ الأهم بين الأطراف المتعاقدة في المواثيق.

لامكان لنسيان الحقيقة أو الغفلة عنها أو تجاهلها (إنا كنا عن هذا غافلين)، ولامكان للتذرع بثقافة سائدة اعتاد عليها الناس، واعتادوا على قيمها ومبادئها ورؤيتها للعالم، واعتادوا أيضاً بسببها نسيان الحقيقة الأصلية “أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم”.

الحقيقة التي يدعو الله الناس لليقظة لها حقيقة نظرية، لا يسلم منها أتباع الديانات كلها، فالجميع معرض للسقوط بالغفلة أو تحويل الحقيقة إلى وثن عقدي باسم الاستمرار على عقيدة الآباء أو الأسلاف. اليقظة هي وعي الحقيقة الدائم، والانتباه إلى مايفكر به الناس، وعدم التورط بقيم ثقافية أصبحت شائعة لدرجة اعتقد الناس أنها تمثل الحقيقة ذاتها في حين أنها ليست كذلك، كما تنص الآية بوضوح. لا مكان لكل ذلك، فالأمانة التي حملها الإنسان منذ البدء هي في جعل الحقيقة التي شهد بها في اللحظة الأولى وكانت جواز عبوره للوجود، ملازمة لحياته بوصفها حقيقة حية تقتضي العمل، تقتضي الانتباه الدائم لما يعتقد به الناس من أوهام ولما يمارسونه من سقوط لايتناسب مع ميثاقهم مع الله، وبالتالي مع إنسانيتهم. على الإنسان أن يدخل فعلياً بالتجربة لجعل هذه الحقيقة واقعاً يهدم كل أنواع الأوثان والأوهام التي تسيطر على البشر.

ثلاث نقاط أساسية في هذه الآية، أولاً، الشهادة بأن الله هو الرب الوحيد، والثانية، هي أن هذه الحقيقة لايجب الغفلة عنها، وثالثاً، أن هذه الغفلة تحصل من خلال الاستسلام للثقافة السائدة (اعتقاد الآباء). في حين أن المطلوب من الإنسان الانتباه دائماً لما هو زائف في أي اعتقاد يعتقده البشر بما في ذلك اعتقاد أصحاب الديانات الموحاة من الله التي يقع أتباعها في الغفلة والاستسهال والتسليم الكسول، فوجود هؤلاء داخل ثقافة توحيدية لايشكل أي ضمانة لهم من عدم النسيان والسقوط، على العكس إن مزية الديانة التوحيدية أنها تثير هذا التنبيه بوضوح شديد، الأمر الذي يصعب معه قبول الأعذار التي يريد المنتسب للديانة التوحيدية أن يبرر من خلالها كسله في البحث عن الحقيقة التي هي الله.

ما نوع هذه الحقيقة؟ فمجرد الشهادة بربوبية الله الوحيدة لا تكفي لتفسير حقيقة هذه الحقيقة، كيف يمكن أن تكون هذه الشهادة موقفاً رافضاً لما يعتقد به الآباء، خصوصاً أن الشهادة هي اعتراف قام به الجنس البشري كله، وبالتالي فإن التمرد على ثقافة الآباء الشائعة ينطبق أيضاً على الثقافة التوحيدية وغير التوحيدية بالتساوي. إذ على أساس هذا الميثاق البشر موحدون دون استثناء، ولكن التاريخ سيكشف لنا أن هذا التوحيد فُهم ومُورس بأشكال مختلفة، والسؤال إذن، ما هي الحقيقة المناهضة لممارسات واعتقادات البشر تلك، والتي يجب عدم الغفلة عنها؟ ماهي هذه الحقيقة التي تجعل كل اعتقاد موضع شك، وكل ممارسة إنسانية محل تساؤل؟

أخذت آية الميثاق تفسيرات متعددة، وهذه التعدد في التفسير يجد مصدره الأساسي في مفهوم التوحيد. إن التفسير التقليدي والمبسط لهذه الآية هو أن المقصود بالربوبية بـ “ألست بربكم” هي أن الله واحد لاشريك له أي لا إله آخر معه، وأن المقصود بـ ” أَشْرَكَ آبَاؤُنَا” أي اعتقاد الآباء بالوثنية بالمعنى المعروف المتمثل بالأصنام، ويصبح الأمر بالتالي مقابلة بين الإيمان بإله واحد وبين الإيمان بالأوثان، كما درج التفسير التقليدي للآية.

في تأويل آخر لخطاب الذات الصوفي، الربوبية تعني بطبيعة الحال وحدانية الله، وفي هذا الجانب يتفق المتصوفة مع غيرهم من المسلمين، ولكن المتصوفة لايتوقفون هنا، فبالإضافة للإقرار بوحدانية الله يعتقدون أيضاً أن الله هو الحقيقة الوحيدة والمصدر الوحيد لكل شيء، ولكنه حقيقة محتجبة وتحتاج إلى جهد لمعرفتها. وهناك فرق بين الجانبين، بين الاعتراف بالربوبية وبين التعرف على حقيقة الوحدانية، والإنسان لم يفعل في آية الميثاق سوى الجانب الأول أي الاعترف فقط، ومن الواجب عليه أن يمارس في حياته البحث عن هذه الحقيقة التي جُبِل عليها بطريقة غامضة منذ لحظة وجوده الأولى.

إننا كنا كبشر في علاقة غامضة مع الله، إذ لاتزال الاسئلة مثارة حول كيف خاطب الله ذرية آدم قبل خلقها، وكيف كانت هذه الذرية قادرة على الإجابة عن سؤال الله “ألست بربكم” وهم لم يوجدوا بعد ولم يعرفوا من هو الله وكيف هي وحدانيته؟ إن الإجابة بنعم تعني أن المُجيب قد أدرك السؤال الموجه له، ولكن هذا الأمر غير ممكن قبل الإيجاد الفعلي، وحتى لو افترضنا أنه ممكن، وأن الآية لاتقصد السؤال بالمعنى المعروف من السؤال وإنما تقصد أن الله قد جعل الإيمان بالوحدانية إيماناً فطرياً مغروساً في جبلة البشر، بمعنى أن الله يقول للبشر إنه هو الرب الوحيد، وأن الإجابة بنعم تعني أن البشر سيؤمنون بهذه الوحدانية بطبيعتهم الفطرية حتى دون تأمل وتفكير. فإن مشكلة أخرى ستبرز هنا، وهي أن الله يخاطب هنا ذرية آدم كلها وليس أناساً بعينهم، وليس أهل التوحيد فقط، الأمر الذي يجعل تعريف الوحدانية أمراً صعباً مرة أخرى، فإذا كان البشر كلهم مفطورين على الوحدانية، فإن السؤال هنا سيصبح متعلقاً بالتمييز الذي تمسك به التفسير التقليدي والذي ينص على قسمة الناس إلى مشركين ومؤمنين. إذا كان البشر كلهم موحدين بالفطرة، فلماذا كان هناك إشراك؟ وإذا قلنا إن الإنسان نسي التوحيد الفطري وهي مسألة يصعب افتراضها، يصبح النسيان منطبقاً على كل العقائد في العالم، العقائد الموحاة والعقائد الأخرى.

إن وحدة الجنس البشري في فطرته الطبيعية بالإيمان بإله واحد تجعله أيضاً قابلاً بفطرته الطبيعية لنسيان التوحيد سواء كان مسلماً أم مسيحياً أم بوذياً أم هندوسياً، وهذا مايحصل في الحقيقة حسب ماينص القرآن، “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ” (يوسف: 106). إذن يبقى السؤال قائماً، كيف نفسر أن ذرية آدم كلها قالت “نعم”، ومالذي حصل بعد ذلك؟ إن أية إجابة عن هذا السؤال تستدعي جملة نتائج عقدية كثيرة.

بالنسبة للمتصوفة فإن التفسير الأول الذي استجابوا له في الفترة المبكرة هو أن سؤال الله لذرية آدم “ألست بربكم” تعني أن البشر كانوا من طبيعة خاصة، طبيعة عدمية، فعالم الذر هو عالم عدمي ومع ذلك فإن الله يخاطبه، ولكن السؤال يبقى، وهو من هذا الذي يخاطبه الله في هذا السؤال؟ ربما يخاطب نفسه، أو يخاطب من هو على مقربة شديدة منه، فالله هو أصل العالم، والبشر كانوا قبل الخلق “كأنهم” من طبيعة إلهية، عندها سيعتقد خطاب الذات الصوفي أن التفكير في الأصل هو التفكير في الحقيقة نفسها، والله هو الحقيقة، كما سيعتقد هذا الخطاب بإمكانية العودة إلى الأصل لأن الإنسان جزء من هذا الأصل عندما كان قبل أن يوجد، أي العودة إلى حالة الذر العدمية القريبة من الله، طالما أن أصل الإنسان إلهي، فالله بوصفه مصدر العالم كان إما يخاطب نفسه أو يخاطب مقدوراته أو مراداته أو معلوماته قبل أن توجد فعلياً، فهي كائنات من طبيعة روحانية وليست مادية بعد، وبالتالي فهي طبيعة أقرب لله.

البشر إذن قادرون عندما يوجدون فعلياً ويعون وضعهم البشري ويعون أصلهم الذي جاؤوا منه، أن يفكروا بالله بوصفه الأصل والمرجع والحقيقة، وهناك آيات قرآنية أخرى تؤكد هذا الأصل الإلهي للروح الإنسانية، فالبشر في النهاية من روح الله كما يقرر القرآن في الآية “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر: 29)، لكن السؤال الكبير كان بالنسبة للمتصوفة هو في الكيفية التي يمكن بها للإنسان أن يعود إلى أصله، هل يعود بالموت، أم بالمعرفة أم بالارتقاء بالكمال الإنساني إلى حدود الكمال الإلهي، أم بنوع آخر من التجربة الوجدانية،……؟ يمكن اعتبار تاريخ التصوف هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال. ماذا نفعل بذواتنا لتعود إلى أصلها الإلهي، أو مالذي يمكن أن تفعله الذات لكي تسترد هذا الأصل الإلهي في داخلها؟

التوحيد الإلهي، خصوصاً في المرحلة الصوفية المبكرة، ارتبط بالتجربة الوجدانية التي يمكن لها أن تحقق بصورة ما هذا القرب بين الله والإنسان. ارتبطت التجربة الوجدانية في القرون الأولى بالنشاط الفردي للمجرب الصوفي، الأمر الذي جعل ظهور الله أو الاقتراب منه بالنسبة لممارسي التجربة يتم بأشكال متعددة في الوقت الذي يبقى الله الواحد متجاوزاً كل إدراك وكل تجربة، لأنه مهما حاولت إدراكاتنا القبض المعرفي على بعض الجوانب في الله فإن الله بخلاف ذلك، كما أكد المتصوفة أنفسهم. الوحدانية الحقيقية الخاصة بالله لاتشبه وحدانية الأشياء الفيزيائية، والاقتراب منه لايتم بالطرق السلوكية أو المعرفية العادية. وحدة الله منزهة وغير متكونة من أجزاء ولا أبعاض ولا أقسام، وحدة لا حدود لها، ولا تتعين بمكان أو زمان، الشيء الذي يجعل منها أمراً خارج الإدراكات التي يمارسها الفهم، وشيئاً يصعب تحديده بالقول والمفردات اللغوية تحديداً نهائياً، كل ذلك سيدفع التجربة الصوفية نحو مسارات من نوع خاص لاتتفق مع الفكر العقلاني دائماً ولا مع اعتبار الله مجرد مشرع يجب الخضوع لأوامره ونواهيه كي نكون بشراً مرضياً عنهم.

الله في خطاب الذات الصوفي هو حقيقة من نوع خاص غير قابلة للتعين، وتجربتنا في الاقتراب منه يجب أن تكون من نوع خاص لايشبه الطرق التي اعتاد عليها الناس في التعرف على شيء ما. هو حقيقة نلاحقها باستمرار وبكل الطرق العبادية والأخلاقية والمعرفية ومع ذلك لاتفتأ تفلت منا، وكل مانستطيع فعله هو صياغات مؤقتة لله يكشفها لنا ظهوره أثناء التجربة الوجدانية التي نمارسها. هنا مرة أخرى وفي شكل مختلف تبرز لدينا وحدة التنزيه والتشبيه، فالله منزه كما ذكرنا، لأنه يقف خارج أي شكل من أشكال التحديد اللغوي، وهو مشبه من جهة أخرى من خلال تصورنا له وظهوره لنا، ومحاولتنا منحه معنى مصاغاً بالكلمات يتعلق بتجاربنا معه. إن الله بُعدين اثنين، بُعد غائب تماماً، في هذا البُعد الله ليس شيئاً بالمعنى الذي نفهم به الشيئية، وفي الوقت نفسه هو منكشف لنا بشكل ما، ظاهر لنا في وعينا بصورة ما. الاقتراب من الله إذن أمر صعب وربما مستحيل ولكن الطموح للاقتراب منه أمر مشروع تماماً، فالمجرب لايفعل سوى أنه يحاول تحقيق ماقاله الله نفسه، بأنه أصلنا كما هو أصل العالم، ونحن من روحه، يعني منه.

ستبدو مصطلحات خطاب الذات دالة بعمق على هذا الفرق بين التنزيه الإلهي وبين ظهور أو إبداء هذا التنزيه للمُجرِب، وذلك باستخدام مفهوم مركزي هو المعرفة، لأن مايبدو للمجرب من الله هو نوع من المعرفة. التجربة الوجدانية صارت تصاغ لاحقاً باللغة، وهذه الصياغة هي التعبير الصريح عن الشكل الذي استحضر فيه المُجرِب الله، وهو بالنهاية أمر معرفي. هذه المعرفة نفسها هي مايكشف عن تنزيه الله في آخريته المطلقة واختلافه التام. التنزيه الإلهي هو المرادف عند خطاب الذات لعبارة “لايعرف الله سوى الله”. أما معارفنا عنه فهي استحضارات جزئية تناسب معارفنا وتجاربنا التي تختلف بين فرد وآخر وبين زمن وآخر.

سيبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في سردنا للتعريفات التي أوردها أصحاب التجارب الوجدانية في تاريخ خطاب الذات. “نُقل عن أبي القاسم الجنيد قدس الله سره أنه كان يقول: والله والله ماعرف الله إلا الله، فالله تعالى يعرف نفسه، ويستحيل أن يعرفه غيره جل وعلا، وإنما عند الكل معان عقلية وعبارات لفظية، والعجز عن الإدراك إدراك”. عبد الغني النابلسي (ت. 1143 هـ/ 1731 م) الذي جاء متأخراً ينقل عن الجنيد (ت. 297 هـ/ 910 م) تعريفاً مشابهاً لتعريف الجنيد عن تنزيه الله ومحايثته لنا في الوقت نفسه.

يعطي الجنيد التوحيد عدة تعريفات، تناسب كل واحد منها الدرجة التي وصل إليها المجرب ومرتبته، لأن مستوى المجرب المعرفي وتحصيله الوجداني يحدد شكل تعريف الله بالنسبة له، فهناك تعريف العامة، وهناك تعريف الخاصة، وفي تعريف الخاصة يشرح الجنيد فكرة الميثاق والوجود الإنساني، يقول إن الحقيقة هي التوحيد، وهذا التعريف يرتبط بقوة بالممارسة الوجدانية التي يقوم بها العارف المتقدم في تحصيله، “وقد سئل الجنيد رحمه الله عن توحيد الخاصة، فقال: أن يكون العبد شبحاً بين يدي الله عز وجل تجري عليه تصاريف تدبيره في مجاري أحكام قدرته في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له وعن استجابته بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته، لقيام الحق له فيما أراد منه، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون”، وعندما سئل الجنيد عن المقصود بعودة آخر العبد إلى أوله أجاب بالآية القرآنية: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم”.

توحيد الخاصة إذن هو تلك الممارسة التي تجعل من الإنسان موضعاً ليناً لإرادة الله وأحكامه، وفي هذه الحالة يكون الإنسان قد فني عن نفسه وعن البشر وعن العالم ولم يبق له سوى الحقيقة الوحيدة التي هي الله، وهذا مايماثل لحظة الخلق الإنساني التي لم يكن فيها الإنسان سوى هذا الشيء الأقرب للعدم والذي يشكله الله ويقرر عليه أحكامه الوجودية، إنها لحظة فناء الإنسان عن ذاته وعن الآخرين، وبقائه على صلة بالحقيقة المتمثلة بالله فقط. والفناء هنا لايعني الموت ولا العدم ولكنه الفكر أو (النفس) الذي يتفرغ بالمطلق للحقيقة ويصبح ملكاً لها.

العودة للأول، العودة للأصل، هو التوحيد بمفهوم الخاصة، الذي يجعل من الإنسان بريئاً من كل العلاقات والأصنام والشروط التي كانت تمنعه من الوصول للحقيقة، لايرى أو يعرف إلا الله ولا يخضع لشيء آخر سوى لأحكام هذه الحقيقة.

السرَّاج نفسه الذي يورد أقوال الجنيد وغيره في التوحيد، يقول في شرح مفهوم الشبلي (ت. 334 هـ/ 945 م) عن التوحيد، بأن المقصود منه هو أنه “ليس للخلق طريق إلا ذكره ووصفه ونعته، على مقدار ما أبدى إليهم ورسمه لهم”. بمعنى أن الإنسان لايملك في محاولته معرفة الحقيقة سوى مايحصل عليه من التجربة التي تجعله يصف الله وفق الشكل الذي ظهر فيه للمجرب، لكن الله في بُعده المنزه، حسب الشبلي، لايقال عنه شيء بالعبارة لأن القول عنه إلحاد، ولا يشار إليه لأن الإشارة تعني نوعاً من الإثنينية المضادة للتوحيد، وفي المقابل لايعني هذا ترك هذه الحقيقة والالتفات لغيرها، فهذه الحقيقة رغم عصيانها على كل صياغة لغوية لابد من البحث عنها، لذلك يستطرد الشبلي قائلاً: “ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن ظن أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، وكل ماميزتموه في أوهامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم فهو مصروف مردود إليكم محدث مصنوع مثلكم”.

الذات الإلهية أو الوحدانية المحضة و الآخرية المطلقة لاتُعرف حقيقتها مع آخر يصاحبها، “ليس في التوحيد خلق، وما وحد الله غير الله، والتوحيد للحق من الخلق طفيلي”، توحيد البشر لله شيء زائد على الوحدة المحضة لهذه الحقيقة، وإن الله نفسه يؤكد هذا الأمر بأن له جانبان أو بُعدان، جانب مختلف مطلقاً لايعرفه إلا هو، غير قابل للإدراك، وجانب آخر يمكن للبشر أن يتعرفوا عليه ويضعوه في أنظمتهم المعرفية، “شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم فإنما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم” (آل عمران: 18).   الاختلاف يبقى لله، للآخرية المفارقة، أما الإنسان فإنه لا يحظى سوى بقسط من المعرفة، معرفة جزئية فحسب.

هذان الجانبان في الله، آخريته المطلقة من جهة، واستحضاره من قبل البشر وفق معارفهم وتجاربهم، ليسا متناقضين، فما يستحضره البشر ليس ضداً على الحقيقة ولكنه شكل منها، إنه استحضار صحيح في وقت وزمان ظهوره، ولكن اختلاف الله وتنزهه تفرض على الإنسان أن يستحضره في صورة ثانية وثالثة، وكلما أكثر الإنسان من تجاربه في جعل الله محايثاً للنفس الإنسانية، كلما تخلص من الأصنام الوثنية، الفكرية والعقدية.

يقول الشبلي: “ماشم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد وشاهد المعاني وأثبت الأسامي وأضاف الصفات وألزم النعوت، ومن أثبت هذا كله فهو موحد حكماً ورسماً لاحقيقة ووجداً”، بمعنى أن إثبات الصفات والنعوت لله تحصل على رسم سمح به الله، لأن الله يرضى بمحاولة البشر جعله محايثاً لوجودهم، رغم بقائه خارج الإحاطة والإدراك والتوهم. فالتوحيد الذي يمارس فيه الإنسان توصيفاً لله وتسمية له، هو توحيد لأنه جزء من الحقيقة، وهذا التوحيد غير قابل للإنكار، ولكن هذه الحقيقة ناقصة، وتحتاج إلى جهد آخر من أجل التخلص من التصلب الذي تصيره إدراكاتنا السابقة. يعطي الشبلي، كما نلاحظ، هذين النوعين من التوحيد تسميات أكثر وضوحاً، مثل توحيد التنزيه وتوحيد التشبيه، توحيد البشرية، وتوحيد الإلوهية. إن أي شكل من أشكال تجربة التوحيد الإنسانية يعكس شكل حقائق ومتطلبات الإنسان المجرب، فهو توحيد محكوم بالخوف والميول الوجدانية والانفعالية والفكرية التي تحملها النفس الإنسانية والعقل الإنساني.

يؤكد هذه المفارقة بوضوح صوفي آخر، هو أحمد بن عطاء بقوله: “المعرفة معرفتان: معرفة حق، ومعرفة حقيقة، فمعرفة الحق: معرفة وحدانيته، على ما أبرز للخلق من الأسامي والصفات، ومعرفة الحقيقة على أن لاسبيل إليها، لامتناع الصمدية وتحقيق الربوبية”. وهذا ماجعل معظم رجال خطاب الذات يرددون قول أبي بكر الصديق: “سبحان من لم يجعل للخلق طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته”.

يجد عبد الكريم القشيري (ت. 465 هـ/ 1072 م) في عبارات تتردد بين النفي والإثبات فرصة للتعبير عن المفارقة في معرفة الحقيقة ، فيقول: “التوحيد أن تعلم أنه غير مشبه للذوات، ولا منفي للصفات”، “التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل، وإنكار التشبيه، والتوحيد في كلمة واحدة، وهي: كل ماصوره الخيال والأفكار فالله سبحانه بخلافه”. مايقصده القشيري هو أن الله ليس التعطيل فقط ولا التشبيه فقط، إنه الاثنان معاً، لأن التعطيل وحده يعني إقصاء الله من العالم، والتشبيه وحده يجعل من الله كائناً مثل بقية الكائنات، بينما التوحيد الحقيقي هو التنزيه والتشبيه في الوقت عينه، لأن الله هو كذلك، موصوف وغير موصوف، مسمى وغير مسمى، غائب وحاضر، مختلف ومماثل، مفارق ومحايث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( المادة عبارة عن صفحات من كتاب الحقيقة وسلطة الاختلاف، المنشور عن المركز الثقافي للكتاب، ط 1، 2019. والتي توصل بها الموقع من قبل الكاتب)

اظهر المزيد

عبدالحكيم أجهر

أستاذ مشارك في الدراسات الإسلامية ، قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية. جامعة خليفة/أبو ظبي. تحصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية في عام 1995 وعلى الدكتوراه في عام 2000 من معهد الدراسات الإسلامية ، جامعة ماكجيل، مونتريال ، كندا. شغل العديد من المناصب في الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك جامعة زايد (ZU) ، وجامعة عجمان (AUST) ، والجامعة الأمريكية في دبي (AUD) ، والجامعة الأمريكية في الشارقة (AUS) ، كما قام بتدريس العديد من الدورات في مجال العلوم الإنسانية و الدراسات الإسلامية، والفكر الإسلامي، واللاهوت الإسلامي، تاريخ العلوم الإسلامية، وتاريخ الحضارة الإسلامية (AUD).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق