المقالات

الخوف من الأفكار

في مجتمع يعج بالتخلف بدرجات مختلفة، من الطبيعي أن يتأثر بها الأفراد و المؤسسات، وقمة التأثر تكمن في إنتاج أفكار مصبوغة بطابع الأزمة/التخلف.

من العسير أن يجد الانسان المأزوم في مجتمعاتنا كوة ينفذ منها بعضا من أفكاره السديدة، ونظراته الثاقبة، ومقترحاته الصائبة، حيث تكاد القضايا الاجتماعية و السياسية والثقافية عصية عن الاحاطة والاستيعاب، يتداخل فيها الأسطوري بالمقدس والتاريخي بالثقافي و الاقتصادي بالسياسي.

من المفارقات أن كل من حاول تفكيك سلوكات إنسانية، أو أفعال اجتماعية، إلا ووجد تعقيدات لا حد لها،  وتشابكات لا يعرف بدايتها من نهايتها، وعسُر عليه إدراك مآلاتها.

أحيانا، يقترب هذا المفكر/المأزوم من فك طلاسم و التواءات مشكلة ما، في حدود ما جرى وما يزال يجري،  أما ما قد يجرى في قادم الأيام، فيتوقف تفكيره هنا، ليقول ” الله أعلم “.

قول”الله أعلم”في هذا السياق ما هو إلا تعبير عن نوع من الخوف، أكثر منه تعبير عن تواضع أو تسليم لقوى عليا بالعلم المطلق، إنه الخوف من الافصاح والفضح والكشف والتعرية.

كيف بسلوكات إنسانية، وتفاعلات اجتماعية، شاهدين عليها ومشهودة علينا، تصبح في دائرة الغامض والمعتم والمطلسم؟

لا غرو أن الخوف من السلطة- السلطة بمعناها العام- أحد العوامل الحاسمة، حيث تبدأ عملية التصميت والتخويف منذ الطفولة حيث نعيش في الأسرة، و يتكرس في المدرسة، ويصل إلى ذروته في مرحلة الشباب (دخول عالم الشغل ) هكذا يجد الفرد ذاته مسيجا بسور من الخوف تحالفت الساسية و الثقافة لللتمكين له.

ما هو تحديدا نوع الأفكار التي تهابها السلطة وتتوجس منها خيفة ؟

 هل هي تلك التي تنجح في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الديني؟

يبدو أن أدوارا موزعة على هؤلاء المواطنين/ الرعايا البعض مسموح له التفكير في زمان و مكان محددين، والبعض الآخر مسموح له التفكير بمقدار، ومنهم محكوم عليه بالصمت(يفكر صامتا)، وهناك من يتشجع/ ينتفض و يبادر بالتفكير لما تسكت السلطة، ويسكت لما تفكر السلطة، وتفكير السلطة يأتي في صور ملتبسة ومطاطة، فمن يصفق لها؛ أي يؤيد ما تقوله فهو بنظرها انتهازي ينتظر الفرصة لسحب البساط منها، ومن يعارضها بالسكوت والصمت ذلك أشد خطورة؛ لأن لا أحد يدري متى سينفض عنه غبار التردد، ومن يعبر جهرا وعلانية بالرفض، فهذا عميل وخائن مكانه الطبيعي السجن، فالسلطة فاقدة للثقة في كل شيئ .

تتساهل السلطة في الأمن المادي لمواطنيها/ رعاياها، لكنها لن تكون رحيمة ولا متسامحة مع من يهدد أمنها الفكري الوهمي، لذلك، لما يفكر بعض المواطنين/ الرعايا في مرجعية الاستبداد في منحاه السياسي و الاجتماعي و الثقافي، يزداد غضبها وهيجانها، و تنتابها نوبة من الرعب. يصبح كل شيء مباح بغية تصميت كل من سولت له نفسه قول لا،  فالارهاب الفكري ضد من يقول لا حلال عليها، حرام على غيرها.

لذلك، فهي حريصة على تكثيف الرقابة إلى أقصى حد، وتسخير كل الامكانيات المادية لتحصين الرعايا من الاختراق و التمزيق، وإغلاق كل المنافذ التي تؤدي إلى تفكيك نسقها السياسي. فتلجأ إلى التحكم في مفاتيح الفكر/ الأفكار وهي الأسئلة، وتتحكم في صياغتها وترويجها واختيار الأوقات المناسبة لذلك، ولها من الوسائل و الوسائط ما يحقق لها مبتغاها، أما ما عداها من الأسئلة، أي من خارجها، فهي في دائرة المحظور.

وتتخذ مصادرة الأسئلة ومحاصرتها أشكالا متعددة من لدن رموز السلطة و المطبلين لها، مرة تزيف شكل الأسئلة، وتارة تصادر فحواها، في مقابل ذلك، تمطر أسئلتها المفبركة، كي تشوه الأسئلة الحقيقية، لتحقيق هدفها وهو الوصول إلى التجويع التام للمجتمع على مستوى عالم الأفكار.” إن مجاعة الفكر اليوم، أفجع من مجاعة العيشعلي شريعتي

إن من أسباب الرهاب من التفكير و النقد والتساؤل في مجتمعات القهر و التخلف والعبودية، الخوف من فقدان المناصب، وضياع المصالح والمغانم، والكشف عن الأوهام، وتعرية زيف الشعارات، وانكشاف حجم الامتيازات باسم “مصلحة الشعب”. بالرغم من هذه الصورة القاتمة التي تبدو جلية في الأنظمة السياسية الشمولية،  فإنه أحيانا تنفلت بعض أشعة الأفكار من رقابة السلطة السياسية، وتنفذ إلى عمق المجتمع، لكن قد لا تكون لهذه الأفكار فاعلية معينة.

وهنا، لا نعني بالفكر المتكرر والمألوف، ولا نعني بالممارسة الفكرية تلك التي تعيد إنتاج ما كان متداولا، ولا نعني بالفكر ذلك الذي يوقف التاريخ، ولا الذي يكون مشدودا إلى الماضي، ولا الذي يجنح إلى المحافظة، إنما القصد هو التفكير الخارج عن المألوف،  المغاير للمأسسة، المناقض لما تعمل السلطة على إدامته وتأبيده. الفكر المعبر عن المناخ المعاش؛ أي اللحظة التي يعيشها الإنسان. بعبارة أخرى، الملتصق بالواقع، والمرتبط ببعد عملي.

لا يعني نفاذ الأفكار المنفلتة من مقص الرقيب في الأوساط المتأزمة، أن تأثيرها وفاعليتها متحققة، فلابد لها من الأصالة إلى جانب الفاعلية كما بسط ذلك المفكر الجزائري مالك بن نبي في مؤلفه القيم مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي، وقد يتحقق شرط الفاعلية دون الأصالة و العكس، في كلا الحالتين لن تنتج شيئا في الواقع. فأصالة الفكرة حين تدخل دورة الفعالية، فإنها تقلب صفحة من صفحات التاريخ الانساني.

فقد تكون العديد من الأفكار اليوم صادقة وصحيحة، لكن لن تكون فعالة؛ أي لها تأثير وتحقق واقعي، ربما لن تجد البيئة المناسبة لها إلا بعد مرور مدة من الزمن.

الأفكار التي خانها أصحابها تنتقم، -كما قال مالك بن نبي-، لما تتحول إلى أوتان/ أصنام، أو توظف في غير مكانها الصحيح، ويحملها الانتهازي الذي يدعي زيفا أنه ينتمي إلى النخب الثقافية و العلمية.

هنا، نستحضر سؤالا آخر يتعلق بما يروج في سوق الأفكار وبكيفية تلقيها، مفاده: لماذا هذه السطوة للفكر التقليدي (المحافظ) الذي ينطوي في جزء كبير منه على أفكار قاتلة ومميتة؟

نجد لهذا الفكر المهيمن آذان صاغية، وهمما عالية، ونفوسا متحمسة، وطرقا معبدة لبسطه، ووسائل ميسرة لتلقيه.

يجيب الأستاذ إبراهيم محمود متحدثا عن أسباب هذه السطوة للفكر المحافظ، يمكن حصرها في أنماط التفكير التي ليس لها من رهان إلا الاستجابة إلى “ما يطلبه الجمهور“. بحيث ما يقدم لهذه ” الجماهير” العريضة من فكر يعتبر مغايرا له، لا يمتلك ذلك الرأسمال الرمزي الكافي لطرده من الساحة أو سحب البساط من تحت قدميه، ولهذا نجد نصه النصوصي متمتعا بحضوره المرغوب فيه لدى قطاعات كبيرة ومتنوعة وليس هناك إمكانية لفكر منافس إلا إذا ” قلّده” ولكنه هنا يفقد خاصيته، ويصبح متورطا في اللعبة التي اعتبرها مؤقتة، فهذا التقليد/ التبعي يمنح الآخر ” التقليدي” شهادة حسن سلوك إضافية، ويلحق به كما نلمس ذلك، من قبل خطابات مثقفين عرب معاصرين يسعون إلى نيل ود جماهيري انطلاقا من معتقداتهم النصوصية، فيرسخون هذه المعتقدات أكثر بدلا من تغيير بنيتها، أو تحطيم صلابتها..) (جماليات الصمت، في أصل المخفي و المكبوت، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 2002 ص189)

ومن ثم ، أمست الحاجة ضرورية لجيل جديد يفكر بلا قيود. إحياء لبعد حيوي فيه كإنسان، ونهوضا بمسؤولية مجتمعية نحو بناء مستقبل أفضل. وتبقى سطوة السلطة مهما طالت واستحكمت في مفاصل الحياة الانسانية، فهي لا محالة إلى زوال، ولن تصمد أمام طموحات الانسان وأشواقه.

 

اظهر المزيد

عبد العزيز راجل

باحث مغربي، حاصل على الدكتوراه من وحدة دراسات الدين والسياسة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، مهتم بالأديان، له مجموعة من المقالات والأبحاث العلمية المنشورة. شارك في عدة من الندوات والورشات العلمية داخل المغرب وخارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق