الدراسات

الإسلام الحنبلي

 

مقدمة:

“الاسلام الحنبلي” عنوان كتاب جورج مقدسي الذي ترجمه سعود المولى، وراجعه وقدم له رضوان السيد. وهو عبارة عن دروس القاها جورج مقدسي  بنفس المدرسة التي درس بها (الكوليج دي فرانس) في ديسمبر 1969 وقد جاءت اربعة سبق لها ونشرت في مقالتين بمجلة الدراسات الاسلامية (1974 و 1975م). عناوين هذه المحاضرات شكلت نفسها فصول الكتاب، مسبوقة بمقدمة المترجم يوضح فيها اهمية الكتاب وموقعه في جغرافية الدراسات الحنبلية، ومقدمة لصاحب الكتاب وضح فيها موقع الكتاب في سياق مشروعه المرتبط بالتراث والدراسات الحنبلية. وقد اختار مقدسي لهذه الدروس العناوين التالية:

  • الاستشراق الغربي والتاريخ الديني الاسلامي
  • مؤسسات التعليم والحركات الدينية
  • الصوفية والحنبلية
  • الارثوذوكسية الاسلامية

الغرض العام من هذه الدروس كما صرح بذلك مقدسي، التدليل على المكانة التي احتلها الاسلام الحنبلي في تاريخ الفكر الديني الاسلامي. وتصحيح بعض التصورات البحثية حول الحنبلية، والتي جاءت مخالفة ولا تتوافق مع الحوادث التاريخية. وذلك بالاشتباك مع بعض الدراسات التي انجرت حول الحنبلية، والمجسدة هنا في تحليلات وخلاصات المستشرق الهنغاري إغناتس غولدزيهر.

بناء على ما سبق يمكن القول انه كتاب ضد التيار، لأنه من جهة كما يقر رضوان السيد “ما كانت هناك عناية حقيقية في عالم الاستشراق بالحنبلية قبل هنري لاووست وتلميذه جورج مقدسي.”[1] اللهما محاولة غولدزيهر[2] في كتابه “العقيدة والشريعة في الاسلام“، والتي جاءت بغرض دراسة الارثوذوكسية الاسلامية ومقارنتها بالأرثوذوكسية اليهودية التي ينتمي اليها. ثم محاولة والتر باتون الذي انجز دراسة مهمة عن ابن حنبل بعنوان “ابن حنبل والمحنة”، وقد كان فيها واقعا تحت تأثير غولدزيهر معتبرا ابن حنبل استاذ كبير في الاسلام الارثوذوكسي السني. ومن جهة ثانية فالكتاب يشتبك نقديا كما اشرنا سابقا لتصحيح خلاصات هذه الدراسات بعدما راح مقدسي يهتم بالتراث الحنبلي وإخراجه وتحقيقه، واهتمامه بالمؤلف والفقيه الحنبلي “ابن عقيل”.

 

  • الاستشراق الغربي والتاريخ الديني الاسلامي

انتهي جورج مقدسي في هذه المحاضرة الى خلاصة مفادها ان دراسة المستشرقين كان لها اثر سلبي على الاهتمام بالحنبلية، إذ يقول: “لقد كان لدراستهم، وبالأخص دراسة غولدزيهر، الاثر الاكبر في المساهمة في تجاهل اي دراسة جدية حول المذهب. وسادت العادة في مجال الفقه السني على ان يتم الاهتمام بدراسة المذاهب الثلاثة الأخرى وعلى تحقيق ونشر وترجمة اعمالها.”[3]  فكارل بروكلمان[4] مثلا المستشرق الالماني في تأريخه للآداب العربي، عندما وصل للحديث عن المذاهب الفقهية السنية اكتفى بذكر ثلاثة: الحنفية والشافعية والمالكية. “جاعلا المذهب الحنبلي من مستوى المذاهب المسماة هامشية او التي لا تستحق الذكر.”[5]  وبهذا كانت الدراسات الاستشراقية ان تقضي على المذهب الحنبلي لولا دراسة هنري لاووست عن الحنبيلة والاهتمام التي حظيت به هذه االاخيرة من قبل “الحركة السلفية في مصر. ولولا وهابية السعودية.”[6]

قبل ان يعرض مقدسي لأهم الدراسات الاستشراقية عن المذهب الحنبلي، اشار الى العوائق التي تلاقي الباحث في الدراسات الاسلامية. بحيث الحضارة الاسلامية تتكبل خسائر جسيمة، نتيجة عدم الاهتمام بالتحقيق وكشف الثروة الوثائقية التي تشكلت عبر قرون طويلة مضت على الاسلام. على اعتبار ان المصادر المهمة عن حضارتنا لازالت سجينة  رفوف المكتبات، ولم تصل اليها إلا أيد باحثين قلائل. ويعود هذا الامر في نظر مقدسي الى صعوبة التحقيق نفسه باعتباره صناعة متطلبة، ثم صعوبة اللغة والمصطلحات الاسلامية الدينية.

اذا كنا قد قلنا بان مقدسي في هذه المحاضرة يقدم عرضا لتاريخ الدراسات الاستشراقية عن الاسلام، خصوصا المتعلقة منها بالحنبلية. فانه يعنى بالدرجة الاولى بتتبع محاولة غولدزيهر في تقييمه لموقع المذهب الحنبلي عند اهل السنة، وكيف عمل غولدزيهر نظرا لمكانته الرفيعة على توجيه الدراسات وانارة الطريق امام الاخرين و”الغاء المدرسة الظاهرية من حقل البحث لمدة ثلاثة ارباع قرن، الى أن كانت دراسة روجيه أرنالديز.”[7]

يضع مقدسي الدراسات الاستشراقية السابقة عليه في الميزان، ليختبر نتائجها. خصوصا عندما وجد ان علماء كبار مثل إغناتس غولدزيهر ودانكن بلاك ماكدونلدز[8] قد ثابرا على انزال الحنبلية باعتبارها تمثل الارثوذكسية الاسلامية. اذ يقول مقدسي ان غولدزيهر “يتهم الحنابلة على وجه الخصوص بأنهم مجسمون، ومتعصبون وغير متسامحين.”[9] وهذا حكم بعيد عن الحقيقة، ويعود الى المصادر التي اعتمدها وتوسل بها غولدزيهر في مشروعه – والتي هي مراجع لأسماء عرفت في تاريخها بأنها ضد الحنبلية. لهذا يدعو مقدسي الى ضرورة ان يتخذ الباحث الحيطة والحذر من المؤرخين للتراجم والسير، والانتباه الى الاتجاهات العقدية المدرسية التي يمثلها كل واحد. ويضع الرجل لهذا الغرض قاعدة منهجية تقر “انه من الضروري ان نأخذ في الاعتبار في دراستنا الاسلامية تحيزات المؤلفين. هذا المبدأ الاساس في المنهجية التاريخية يبدو اكثر من ضروري …”[10]

انتهي مقدسي الى انه نتيجة الاستعمال الساذج لكتب السير دون مراعاة سياقها التاريخي، جاءت الدراسات الاستشراقية خلال ق19 ومطلع القرن العشرين غير منصفة، ولا منسجمة مع واقع الاحداث. بحيث يقول مقدسي “ان نتائج الاعمال التي انجزها المستشرقون الذين ذكرناهم من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ترجع في معظمها الى الرأي الذي كونه هؤلاء المستشرقون عن (التفاهة) المزعومة للمذهب الحنبلي.”[11] يبدو واضحا ان مقدسي لا يتفق وتعاطي بعض الدراسات الاستشراقية مع التراث العربي الاسلامي. ويدشن لتعامل جديد يستعيد عبره الصورة المسروقة للعديد من الاعلام، ويفتح باب الاختلاف من جديد للتفكير في ماضينا والصور التي يمكن ان نشكلها عنه.

 

  • مؤسسات التعليم والحركات الدينية

في اطار الموقف النقدي الذي عبر عنه جورج مقدسيي من طريقة تعامل المتخصصين خلال القرن 19 ومطلع القرن 20 مع النصوص، والتي هي طريقة فقهاء اللغة لا طريقة علماء التاريخ. يقدم مقدسي محاضرة عن تاريخ مؤسسات التعليم والحركات الدينية التي تحركت على مشهد التاريخ العربي الاسلامي، مبرزا طابع التحزب الذي يحكم وتخضع له كل المؤسسات او الحركات الدينية. مؤكدا على ضرورة التمكن من المنهج الفيلولوجي والتعامل الحذر مع المصطلحات، لتخطي الهفوات التي حكمت اعمال المتخصصين خلال قرن 19 باعتباره قرن نشوء علم الدراسات الاسلامية كعلم مستقل.

عمل مقدسي في هذه المحاضرة على تتبع مصطلحات التعليم في العصر الوسيط، ونشوء المدارس النظامية، او تاريخ تأسيس النظاميات مع مؤسسيها نظام الملك الوزير السلجوقي. ثم الوقوف على نظام التعليم بهذه المدارس ودوره الفقهي والسياسي، وبعض الاعلام الذين درسوا وتعاقبوا على هذه المدارس خصوصا اهتمامه بالمدرسة النظامية ببغداد. كما بحث تاريخ المؤسسات غير النظامية التي كانت تنشر العلوم الدينية ايضا، ونمط العلاقة بين كل هذه المؤسسات. بحيث ان كل مدرسة كانت تؤدي وظيفة وارتبطت باسم شخص معين، اتخذ من مدرسة ما آلية للسيطرة على العلماء وتحديد ومراقبة طبيعة البرامج التعليمية.

لكن إذا كانت هذه المدارس كما يقول جورج مقدسي قد اهتمت بتوفير التعليم الديني فقط، فكيف تمكنت العلوم الاكثر عقلانية مثل الفلسفة اليونانية ثم علم الكلام (اللاهوت العقلي) وكل العلوم التي تسمى دخيلة من الازدهار والانتشار وان تجد طريقها داخل الاسلام لتعود من هناك الى اوربا؟

بهذا السؤال يطل مقدسي على نمط اخر من التعليم اذ يقول “الى جانب المسجد تطورت مؤسسات اخرى ازدهرت فيها العلوم المسماة دخيلة. كانت هذه المؤسسات هي “خزانة الكتب” وبيت الكتب ودار الكتب، او كانت بيوتا للعلوم والحكمة تسمى بيت الحكمة …الى هذه المؤسسات يحسن ان نضيف بيوتا خاصة كانت تجري فيها المناقشات الفكرية تسمى “المجالس”.”[12] وبهذا تطورت في الاسلام سلسلتان من المؤسسات الاولى تجسد المثال الشرعي النقلي الاثري (اهل الحديث)، والثانية المثال الكلامي (اهل العقل والمنطق). ولجورج مقدسي مقالة مهمة تهتم بقانون وتقاليد التعليم في المؤسسات الاسلامية في العصر الوسيط، ودخول وانتقال العلوم الى اروربا بعنوان” Law and traditoinalism in the institutions of Learning of médieval islam “.

يتابع مقدسي مسيرة هذه المدارس الى حدود انتصار اهل الحديث على علم الكلام، خصوصا بعد انشاء “دار الحديث” و “دار القرآن ” بعد سنة 451ه. وبهذا “حلت دار الحديث ودرا القرآن محل الحكمة ودار العلم. كما حلت ايضا هذه المؤسسات الجديدة محل المؤسسات التي كانت في الماضي مستقلة تتعاطى كل العلوم. فاستوعبتها المؤسسات الجديدة وحولتها الى مكتبات ملحقة تحمل من الان فصاعدا طابع النقلية الاثرية.”[13] وقد استمرت العلوم العقلية في الاسلام في ظل مؤسستين الوقف والإجازة، واللذان سيكون لهما الفضل في نقل العلوم الى اوربا. لينتهي مقدسي في هذه المحاضرة الى التأكيد على اهمية المذهب الحنبلي رغم الاهتمام الضئيل الذي حظي به، لكنه “اذا نظرنا الى نفوذه في المجال العقدي والكلامي لوجب ان نعطيها موقعا متميزا وسط الحركة الاثرية النقلية (السلفية) الواسعة.”[14]

 

  • الصوفية والحنبلية

يبدأ مقدسي هذه المحاضرة بالتأكيد على ان تصور الدارسين للحركات الدينية في الاسلام بأنها كتل تقف ضد بعضها البعض، يفقد ويؤدي الى انتهاك الفردانية الخاصة للعلماء المسلمين. فإذا كنا نرفض ان نختزل مفكر ما الى مذهب بعينه، ونحترم خصوصيات تفكيرك فكذلك الامر يجب ان يتبع مع العلماء المسلمين. اذ الاختلاف لا نجده فقط من داخل نفس الحركة او المذهب، بل الاختلاف قد يدخل على فكر نفس الشخص في تتبعنا لعمر مشروعه. وعن الاختلاف من داخل نفس المذهب يذكر مقدسي “حالة المازري الذي انتقد بقسوة الجويني والغزالي لأنهما انحرفا عن العقيدة الاصلية للأشعري…(ومواجهة ابن قدامة لابن عقيل من داخل نفس المذهب الحنبلي بسبب اتجاهات الاخير الكلامية التي اعتبرها الاول اشعرية).”[15] بهذا القول يمهد مقدسي للاشتغال على الفكرة الجاهزة المتوارثة التي مفادها ان بين الفقه والتصوف عداء مستحكم. وان فقيها لا يمكنه ان يكون صوفيا، ثم فكرة ان الحنبلية هي الذ اعداء الصوفية، وكيف ان الغزالي صالح بين التصوف والتقليدية السنية، وكيف ان الاسلام انتظر خمسة قرون حتى يقوم الغزالي (بسلفنة الصوفية).

يبدد مقدسي هذا الاعتقاد السائد يقول “لقد تأكد للجميع في الواقع ان التصوف وجد قبل الغزالي، ولكن لم يكن احد ليظن انه كان مندمجا في سلفية اهل الحديث السنية.”[16] وذلك يعود الى تأثر الدراسات بأحكام غولدكزيهر الذي اكد على ان التصوف قبل الغزالي كان غريبا عن العقل الاسلامي السائد، “وكان هناك تعارض بين الفقه والتصوف وبين التصوف والكلام.”[17] ورغم التأكيدات على وجود فقهاء متصوفين قبل الغزالي، فان البعض “استمر في السير على طريق ذلك التصور البدائي عن وجود اختلاف أساسي بين الارثودكسية التقليدية – اهل السنة والجماعة – من جهة والتصوف من جهة اخرى. والنتيجة التي نستخلصها من هذا الافتراض هي اعتبار الحنبلية، وهو المذهب الاكثر محافظة بين المذاهب السنية، على انه عدو التصوف الأكبر.”[18] لكن مقدسي يدعم في محاضراته تصور مغاير يدافع عن كون الحنابلة تطوروا في اتجاه التصوف، “ولا يمكن على سبيل المثال انكار اثنين من كبار المتصوفة الحنابلة هما الانصاري الهروي وعبد القادر الجيلاني.”[19] ولهذا الاخير الصوفي الحنبلي تعود الطريقة الصوفية القادرية، التي لا تزال قائمة الى يومنا هذا. وبهذا يرفض مقدسي تصور غولدزيهر الذي اثر على باقي الدراسات، وجعل البحوث تسير في اتجاه وضع تعارض بين التصوف والحنبلية.

هذا الاشكال لا يمكن حله في نظر مقدسي الا بالعودة الى التأصيل لنشوء التصوف الإسلامي، والحسم في طبيعة وهوية هذا الاخير البرانية او الجوانية. لينتصر مقدسي الى الطرح الاخير مستندا في ذلك على بحوث المستشرق الفرسي لويس مسينيون بحيث رأى هذا الاخير “ان اهل السنة والجماعة لم يكونوا في اي وقت مجتمعين على ادانة التصوف، وان الاسلام السني لم يخرج ابدا التصوف المعتدل من الجماعة.”[20] وعلى هذا المنوال يتبع مقدسي اثار الصوفية والاتجاه الصوفي في صفوف العلماء المسلمين من المذهب الحنبلي، ولبسهم لخرقة الصوفية من عبد القادر الجيلاني مرورا بابن قدامة وابن تيمية … رغم نفور وانتقاد اغلب  العلماء المسلمين للتصوف في شكله الحلولي.

 

  • الارثوذكسية الاسلامية

ينطلق مقدسي في هذه المحاضرة من نقطة ركز عليها غولدزيهر من قبل، مفادها اننا من داخل العقيدة الاسلامية لا نجد وظيفة كهنوتية تمثل معيار الارثوذكسية مثلما الامر في المجالس والمجامع المسيحية. وبالتالي فالأصل في الاسلام الحرية والاختلاف. وبهذا سيجد مقدسي نفسه في مواجهة سؤال: كيف تحول روح التسامح في الاسلام الى لا تسامح ؟ وكان غولدزيهر قد واجه نفس السؤال من قبله، وأرجع ذلك الى فترة سيادة الثقافة السكولاتيكية العقدية الجامدة. وكان غولدزيهر قد جعل من عصر الاشعري عصرا للتعصب واللاتسامح، الا الصوفية التي كانت تبدي تسامحا وتصل الى حد الغاء الطائفية. يؤكد مقدسي على روح التسامح في الاسلام وغياب سلطة تقرر في الصراط المستقيم، وحتى الاجماع باعتباره العلامة المميزة للتسنن فهو ليس له تعريف واحد. ويتابع فكرة غولدزيهر عن التسامح، وكيف حصل حتى اتخذ الاشعرية بكونها الممثلة للارثوذكسية الرسمية، وكيف انه تصور نوعين من الارثوذكسية: “واحدة سماها (رسمية) اي الاشعرية مع الغزالي، والثانية سماها (القديمة) اي الحنبلية وهو المذهب الذي كال له غولدزيهر كل تهم التعصب والجمود ومعاداة كل تقدم.”[21]

ان مهمة مقدسي تهتم بمنازعة غولدزيهر في احكامه عن الارثوذكسية الاسلامية، وبيان كيف انها لا تنسجم مع واقع التاريخ الاسلامي. وراح مقدسي مباشرة في هذه المحاضرة الى فحص اراء ابن تيمية حول اهل السنة والجماعة، وبيان تهافت حكم غولدييهر عن الارثوذكسية الاسلامية المتجلية في ابن تيمية. وان اراء هذا الاخير ليست بذلك التعصب والحصرية الاقصائية التي روجت عنه. ليينتهي مقدسي الى التقاط مقارنة المؤرخ الفرنسي لويس غارديه بين اللاهوت المسيحي والإسلامي، على اعتبار ان غرض الاول تعقل الايمان والثاني (علم الكلام) الدفاع عن الايمان. وهنا يقول غارديه: “ان على اي لاهوت حقيقي للإسلام ان لا يقتصر على دراسة الكلام وإنما ان يتغذى ايضا من اصول الفقه، ونحن لا نعتقد انه من المفارق القول بأننا نجد لاهوتا (بمعنى تعميم الايمان) في كتابات الحنابلة…اكثر مما نجد في موقف الكثير من المتكلمين.”[22]

 

خاتمة:

تعتبر محاضرات جورج مقدسي المصنفة في كتابه هذا محاولة في الكتابة ضد التيار، انها محاضرات تؤصل لاشتغال نقدي وعدم تقبل الروايات التاريخية بسذاجة ما لم تتوفر لنا المعلومات الكافية عن التاريخ. ويتم كشف النقاب عن كل ما انجز في مرحلة تاريخية ما، وإخراج كل تراثنا اخراجا علميا محكما. وبهذا أراد مقدسي ان يبين كيف ان وقوفنا على مصادر معرفية جديدة تجعل نظرتنا للمذاهب الاسلامية، وللعلماء، وللتاريخ الاسلامي بصفة عامة تأتي مختلفة وتبين تهافت العديد من الاعتقادات التي عشنا بها لمدة طويلة. والنتيجة في هذه المحاضرات هي ان تاريخ الحركة الحنبلية “فبعيدا على ان تكون على هامش الإسلام، كانت الحركة الحنبلية في قلب الجماعة المسلمة. وهي منذ ولادتها وجدت نفسها تحمل مهمة حماية سنة الرسول وتراثه، اولا في داخل الجماعة المسلمة نفسها، ثم ضد كل من يهاجمها من خارجها. وقد اورثها هذه المهمة مؤسسها الامام احمد ابن حنبل، وهو واحد من الشخصيات الاكثر تأثيرا في الاسلام، والذي بقيت ذكراه عالقة في ذاكرة الجماعة المسلمة بوصفه بطلا شهيدا لمحاكم التفتيش الخاصة بالخليفة المأمون.”[23]  بالتالي فغرض مقدسي هو اظهار الوجه الحقيقي للحنبيلة، ضدا على التعتيم والتضليل الذي عرفته الحنبلية في التاريخ الاسلامي مع بعض الدراسات الاستشراقية. وكيف ان اختيار النصوص التي نستخدمها لكتابة التاريخ الديني الاسلامي، يغير النتائج خصوصا وان الدراسات الاستشراقية خلال القرن التاسع عشر لم تكن تخرج عن الرؤية التي كانت تحكم الغرب بصفة عامة. وهي انه كان يعرف الاسلام من خلال تركيا، وطبيعي ان تظهر الحنبلية بذلك المظهر نظرا للعداء القائم بين الاتراك والوهابين.

يدشن مقدسي لتعامل مغاير مع التراث ويتخذ زاوية نظر جديدة، يفتح عبرها باب الاختلاف والتفكير مع او ضد وإعادة تنشيط العقل لاهوتيا. انها محاضرات في التدافع والتنازع على ميدان التراث لاستعادة بعض الاعلام والأسماء من براثين التزمن والتحزب، وكل ما الصق ظلما ويخالف حقيقة التاريخ. وكل ما يبقى لنا من هذه المحاضرات ليس مضمونها، بل روحها الضدية والتدافعية.

[1]  جورج مقدسي، الاسلام الحنبلي، ترجمة، سعود المولى، مراجعة وتقديم، رضوان السيد، الشبكة العربية للابحاث، ط. الاولى 2017. ص. 7.

[2]  إغناتس (اسحاق يهودا) غولدزيهر (1850- 1921م) مستشرق هنغاري متخصص بدراسة الاسلام، يعتبر الى جانب نولدكه وسنوك هورغرونييه من مؤسسي علم الدراسات الاسلامية الحديث في أوربا. يعده الباحثين اهم العارفين بالحديث النبوي. نقل له عبد الحليم النجار كتابه العقيدة والشريعة في الاسلام الى العربية.

[3]  نفس المرجع السابق، ص. 33.

[4]  كارل بروكلمان (1868- 1956م) مستشرق الماني، اهتم بدراسة التاريخ الاسلامي، وله كتاب تاريخ الشعوب الاسلامية، ومن اشهر مؤلفاته تاريخ الاداب العربي.

[5]  نفسه،ص. 26.

[6]  نفس المرجع السابق، ص. 27.

[7]  نفسه، ص. 32.

[8]  دانكن بلاك ماكدونالدز (1823-1943م) مستشرق امريكي. له عدة مؤلفات اهمها تطور علم الكلام والفقه والنظرية الدستورية في الاسلام.

[9]  نفسه، ص. 44.

[10]  نفس المرجع السابق، ص. 48.

[11]  نفسه، ص. 84.

[12]  نفس المرجع السابق، ص. 64.

[13]  نفسه، ص. 68.

[14]  نفسه، ص. 69.

[15]  نفس المرجع السابق، ص. 75.

[16]  نفسه، ص.80.

[17]  نفسه، ص. 84.

[18]  نفسه، ص. 86.

[19]  نفس المرجع السابق، ص. 88

[20]  نفسه، ص. 92.

[21]  نفسه، ص. 111.

[22]  نفس المرجع السابق، ص. 122.

[23]  نفس المرجع السابق، ص. 125

اظهر المزيد

ياسين اغلالو

باحث في الفلسفة، يحضر دكتوراه في الفلسفة في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. شارك في العديد من الندوات الوطنية والدولية، وله العديد من الكتابات.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. فعلا الاستشراق الغربي ينقسم الى شقين …. الماني نقدي و غربي بزعامة فرنسا استعدائي …..
    وللحديث بقية لمن اراد التوسعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق